إعلان

قرارات قيس سعيّد وما بعدها

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الرئيس التونسي قيس سعيّد
الرئيس التونسي قيس سعيّد
A+ A-
لم يستغرب الكثير من التونسيين القرارات الأخيرة التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد والمتمثلة أساساً في تجميد عمل مجلس نواب الشعب وتجريد النواب من حصانتهم، وإعفاء رئيس الحكومة من مهماته مع إشرافه شخصياً على النيابة العمومية في عملية تتبعها لملفات الفساد. فالوضع في البلاد وصل إلى الحضيض في مختلف المجالات حتى باتت تونس الخضراء، التي تتوفر على ثروات مهمة، بلداً متسولاً للهبات بفعل الفساد والنهب للمال العام الذي استشرى في عشرية حكم "حركة النهضة" وفاق ما كان سائداً في زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
 
لم يعد ممكناً بأي حال من الأحوال أن تستمر الأوضاع على حالها بعد أن بلغ السيل الزُبى ولم يعد للتونسيين ما يخسرونه، فكان لا بد من أن يحصل شيء ما بحسب توقعات أطراف محلية وخارجية. وكانت البداية بانطلاق حراك شعبي جديد شمل أغلب مدن الجمهورية حمل مطالب اجتماعية، وصبّ جام غضبه على "حركة النهضة" مقتحماً مقراتها، ثم تبعته قرارات الرئيس قيس سعيّد التي كانت تستهدف الحركة "الإخوانية" التونسية وحلفاءها.
 
ولعل في خروج تونسيين بكثافة إلى الشارع للاحتفال بقرارات ساكن قرطاج ليلاً رغم حظر التجول، دليل على ما في قلوب كثير من أبناء الخضراء من غلّ على "حركة النهضة" التي يحملونها المسؤولية عن تردي أوضاعهم المعيشية وعلى الكارثة الصحية التي طاولت البلاد وأفقدتهم الكثير من الأقارب والأصدقاء والأحباء. ويرى هؤلاء في قيس سعيّد المنقذ للبلاد من براثن من عبثوا بالدولة طيلة العشرية الماضية وهو ما يبدو أنه دفع بساكن قرطاج إلى اتخاذ هذه الخطوة الجريئة التي كانت منتظرة داخلياً وخارجياً.
 
ويبدو أن قيس سعيّد تحرك بعد أن نال الضوء الأخضر من باريس وواشنطن، خصوصاً الأخيرة التي يبدو أنها رفعت غطاء الدعم عن "حركة النهضة" بعد أن شعرت بأنها باتت مضرة بمصالحها في المنطقة ولا يخدم وجودها الأمن والاستقرار في بلد مثل تونس مطل على السواحل الإيطالية حيث يرابط الأسطول السادس الأميركي. ولعل ما يدعم هذا القول هو دعوة الخارجية الأميركية مواطنيها إلى مغادرة تونس قبل يوم الخامس والعشرين من شهر تموز (يوليو) وهو التحذير الذي اعتقد التونسيون قبل فترة أنه يتعلق بعملية إرهابية قد تستهدف الخضراء فتجنب البعض التواجد في الأماكن العامة.
 
كما تدل الثقة المفرطة التي تحدث بها قيس سعيّد في الخطاب الذي أعلن فيه عن هذه الإجراءات، على عدم خشيته من غضب داعمي "حركة النهضة" وراء المحيط الذين كانوا هذه المرة أوفياء لقاعدة أنه لا صديق ولا عدو دائم وأن ما يحركهم هو المصالح لا غير. فأينما وجدت المصلحة سارت الولايات المتحدة الأميركية التي كانت قبل سنوات قليلة من أشرس داعمي "حركة النهضة" وتنظيمات "الإخوان" عموماً، وهي التي جاءت بهم إلى كراسي الحكم بعد موجة الخريف العربي من خلال الدفع بوكلاء إقليميين إلى دعمهم مالياً في الانتخابات وفي مختلف الأنشطة ليتمكنوا من التفوق على خصومهم ومنافسيهم.
 
وتبدو "حركة النهضة" اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما الاعتصام في الساحات على غرار ما حصل قبل سنوات مع "الإخوان" في مصر، وهو خيار ثبت فشله، أو الرد بقوة كما فعل أردوغان مع الجيش التركي عندما قام بالانقلاب عليه، وهو أيضاً خيار سيؤدي إلى المزيد من النقمة على الحركة في أوساط التونسيين وستكون هي الطرف الخاسر بامتياز. لكن البعض من المحسوبين على الحركة دعوا إلى تشكيل جبهة "ديموقراطية" من الأحزاب الحليفة لـ"حركة النهضة" وبعض المنظمات الوطنية للتصدي للرئيس قيس سعيّد وذلك قبل أن يعلن اتحاد الشغل تأييده الضمني لقرارات ساكن قرطاج.
 
والحقيقة أن ما قام به الرئيس التونسي ليس انقلاباً كما صوره البعض وإنما هو تطبيق للفصل الـ80 من الدستور الذي يبقى الجدل حول تأويله من اختصاص المحكمة الدستورية العليا التي عطلت "حركة النهضة" تشكيلها منذ سنوات عديدة وواصل الرئيس سعيّد هذا التعطيل. وبالتالي، وفي غياب هذه المحكمة يصبح رئيس الجمهورية هو المؤتمن على الدستور وعلى تأويل نصوصه، خصوصاً أنه أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية والعاشق لتأويل النصوص الدستورية والإشكاليات المتعلقة بها.
 
ويبدو أن قيس سعيّد متجه إلى تكليف شخصية مقربة منه لتشكيل حكومة جديدة مصغرة ستدفع باتجاه محاسبة الفاسدين وتهيئة الميدان لانتخابات جديدة وذلك بعد النظر في مسألتي النظامين السياسي والانتخابي اللتين بات إصلاحهما مطلباً ملحاً من أغلب الأطياف السياسية. كما قد يذهب سعيّد باتجاه خيارات أخرى قد لا يتفق معها جلّ التونسيين ولكنه لمّح إليها في وقت سابق تتضمن إجراءات عديدة منها حل الأحزاب السياسية وإنشاء برلمانات محلية وغيرها من الآليات الهادفة إلى تحقيق الديموقراطية المباشرة التي يشبّهها البعض من باب الإستهزاء بالنظام الجماهيري الذي اعتمده معمر القذافي والذي انتهى بليبيا إلى فراغ في المؤسسات.
 
ولعل السؤال الذي يطرح، هل ستذعن "حركة النهضة" للأمر الواقع وللمتحكمين في قرارها خارج الديار مثلما أذعن عبدالحكيم بلحاج في ليبيا لمشيئتهم واستقر في منفاه القسري في تركيا أم ستتمرد وتدخل البلاد في أتون حرب مدمرة؟ وهل فكر سعيّد في خروج آمن للحركة "الإخوانية" التونسية يجنب البلاد الحرب الأهلية أم أنه سيذهب بعيداً في المحاسبة ويترك الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات؟
 
الكلمات الدالة