إعلان

الديموقراطية in transition

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
جو بايدن مغادراً مسرح كوين بعد إعلان أعضاء حكومته. (أ ف ب)
جو بايدن مغادراً مسرح كوين بعد إعلان أعضاء حكومته. (أ ف ب)
A+ A-
تابع الناس على الكرة الأرضية برمتها الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة لمعرفة من سيكون سيد المكتب البيضاوي ومن سيحدد المسار المستقبلي للعالم الذي يمر بكابوس جائحة كوفيد-19 وتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية التي غيرت حياتنا جميعاً.
 
أكثر من 140 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم لكل من المرشح الديموقراطي جو بايدن والرئيس الحالي دونالد ترامب في إحدى أشرس المعارك الانتخابية والأكثر تقارباً والتي انتهت بحسم النتيجة لبايدن بعد أن استطاع الحزب الديموقراطي تسخير التصويت عبر البريد لتجاوز عقبة المجمع الانتخابي الذي كبدهم خسائر عدة، آخرها هزيمة هيلاري كلينتون رغم حصولها على التصويت الشعبي أمام ترامب عام 2016.
 
المدهش في هذه العملية الديموقراطية برمتها، ليس فقط حجم الاقتراع الذي حصل من دون أي حوادث عنف، بل عدم تسجيل ضربة كف واحدة في معظم الولايات رغم الاحتقان العقائدي والعرقي والمنافسة الحادة. وبعض الولايات التي سجلت حوادث غير ديموقراطية عومِل فيها الجاني على أنه خارج على القانون وتتم محاسبته أمام المحاكم المحلية من دون أن يحوَّل إلى مغامر ثوري كما هو الحال في العديد من الدول التي تدّعي العراقة الديموقراطية.
 
المسألة التي تستحق التنويه هنا هي المرحلة التي تلت خسارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي وبفظاظته المعهودة يرفض الاعتراف بالخسارة، متهماً خصومه بالتزوير والتلاعب الانتخابي. فخياره هو في واقع الأمر معاكس للمعضلة السائدة أي قيام السلطة الحاكمة بتلك الألاعيب لحرمان المعارضة من الفوز.
 
ففي العديد من مجتمعاتنا العربية، من الصعب أو المستحيل أحياناً هزيمة أي من الرؤساء الحاليين، أو حتى هزيمة رئيس لجنة بناية أو نقيب لإحدى المهن الحرة، فهؤلاء يقضون حياتهم في مناصبهم، والأسوأ من ذلك يقوم أبناؤهم وأحفادهم باستغلال نفوذ "الوالد" وتسخير موارد الدولة في خدمة نزواتهم. أما في الولايات المتحدة، فليس هناك من شخص قوي ونافذ بل هناك مؤسسات راسخة، وقوة هذا الشخص تنبع من قدرة هذه المؤسسات على حماية الدستور والقانون من دون الانصياع لأوامر قائد القوات المسلحة في حال كانت تخالف الدستور و حقوق المواطن.
 
اللافت أيضاً هو العملية الانتقالية السلمية للسلطة والتي استؤنفت خطواتها الأولى بتسمية الرئيس المنتخب فريق عمله ليبدأ الأخير بتسلّم مقاليد السلطة والملفات المهمة من الطرف الحاكم بطريقة سلسلة مع استمرار ممارسة الإدارة الحالية صلاحياتها حتى العشرين من كانون الثاني (يناير) موعد قسَم جو بايدن اليمين الدستورية ليصبح رسمياً الرئيس الـ46 للولايات المتحدة الأميركية. لو حصلت تلك العملية الانتقالية في بيئتنا المشرقية على سبيل المثال لكانت إسودّت السماء نتيجة حرق الملفات والسجلات التي قد تدين الحكام و تفضح فسادهم الذي أخفوه وراء شعارات فارغة ومنافقة كتحرير فلسطين ورمي "الصهاينة" في البحر.
 
وفريق العمل اختاره الرئيس المنتخب بايدن الأسبوع المنصرم بثلة من الخبراء المرموقين بهدف إعادة الثقة للمنظومة الأميركية وتوطيد العلاقات مع أوروبا والعالم، مثبتاً أن الأنظمة الديموقراطية الحقيقية ورغم مشكلاتها الكثيرة قادرة على إعادة البوصلة إلى وجهتها الصحيحة. النظام السياسي الأميركي ليس بالمثالي ولكن الدستور والقانون هما على الأقل الحصن الذي يحمي البشر وليس فقط الحجر، ويمنع تحول النظام إلى عبادة زعيم.
 
الانتخابات والديموقراطية ليستا "صندوق فرجة وعجب" فحسب، بل هما رياضة يجب ممارستها من كل البشر، وعلى رأسهم منطقة الشرق الأوسط، العمل على اتباعها وتحويل أنظمتها التي تعود للعصور الجاهلية إلى أنظمة تهتم برخاء شعوبها، في حين يتوجب على الشعوب العربية ترك التخاذل جانباً والتخلي عن إيجاد مكان لهم خارج أوطانهم والنضال من إجل بنائها بما يرتقي لطموحات أبنائهم.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم