"الشام الجديد" و"الأشرار الثلاثة"... فرص واعدة وتحديات كاسحة!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
الملك عبدالله الثاني بين رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي
الملك عبدالله الثاني بين رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي
A+ A-
خلال أيام، يزور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بغداد، لإجراء محادثات مع نظيره العراقي مصطفى الكاظمي. وكان وزيرا الخارجية العراقي والأردني التقيا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة، الأسبوع الماضي، في إطار تنسيق المواقف وتعزيز التعاون بين الدول الثلاث التي أعلنت "تكتلاً جديداً"، في قمة جمعت السيسي وعبدالله الثاني والكاظمي في الأردن، في آب (أغسطس) الماضي؛ أطلق عليه الكاظمي إسم "الشام الجديد" أو "المشرق الجديد"، أولويته الأولى هي الاقتصاد، ويطمح إلى ضم سوريا، بعد استقرارها ولبنان - وحتى السعودية، متى تهيأت الظروف - لكن الفخاخ المنصوبة، وما أكثرها، تطرح علامات استفهام أمام قدرة هذا التكتل على إنجاز أهدافه، بخاصة أن إيران وتركيا ليستا مسرورتين أبداً مما يجري، ناهيك بالتقلبات الجيوسياسية التي تضرب الإقليم بشدة.
 
يمكن إدراج هذا "التكتل" في إطار محاولات خلق تجمع عربي، لتحسين الأوضاع الاقتصادية والظروف السياسية والأمنية، بعد أن فشلت في ذلك، مؤسسات العمل العربي المشترك، والتجمعات الإقليمية من مجلس التعاون الخليجي شرقاً حتى تجمع المغرب العربي غرباً. فالتكتل الجديد يمثل محاولة لاستعادة التواصل والالتحام في قلب العالم العربي، بين مصر ومنطقة الهلال الخصيب التي تضم العراق والشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)، تلك المنطقة التي تحدها تركيا من الشمال ومصر من الجنوب، وإيران من الشرق والبحر المتوسط من الغرب، وبهذا الالتحام يتكشف إلى أي مدى تحظى المنطقة بأهمية جيو استراتيجية فائقة، فهي تتحكم بأهم طرق التجارة والملاحة العالمية، وتملك احتياطات ضخمة من النفط والغاز، لا سيما العراق الذي تقدر احتياطاته البترولية بنحو 150 مليار برميل على الأقل.
 
بالطبع ليس ذلك "الالتحام" جديداً؛ عبر كثير من أحقاب التاريخ كانت مصر والشام كياناً سياسياً واحداً، حينما تكون هناك دولة قوية تجمعهما. وهو ما التفتت إليه القوى الاستعمارية (الدولة العثمانية والغرب)، وعملت على الفصل بين الجناحين، بل واحتلال مصر والشام والعراق. دست هذه القوى بذور التوتر والصراعات في تربة "الهلال الخصيب"، خلال القرنين الماضيين، وما زالت آثار ذلك ماثلة في تأجيج الاحترابات و "الهويات القاتلة" - بتعبير الأديب اللبناني أمين معلوف - صارت المنطقة التي شهدت مولد الحضارة الإنسانية والأديان والمعارف والقوانين منذ فجر التاريخ، ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. 
 
انظر إلى العراق بعد خطيئة احتلال الكويت - على سبيل المثال - أخذت تمزقه الولاءات؛ إما لواشنطن، وإما لطهران، وإما لأنقرة، وإما لآخرين، واقع مرير يدفع ثمنه الشعب العراقي إرهاباً ودماء ودموعاً وثروات، باتت الدولة الأغنى في المنطقة بنفطها ومائها وأرضها وموقعها، بؤرة عدم استقرار ومرتعاً للإرهابيين، وفريسة ينهشها كل طامع، أميركياً كان أو إيرانياً أو تركياً... انتفض الشعب العراقي أخيراً، ضد واقع مأسوي، وأتى بحكومة الكاظمي؛ فشرع على الفور في مواجهة أزمات بلاده المزمنة، ساعياً لاستعادة العلاقات مع محيطه العربي، وإعادة تنظيمها مع الولايات المتحدة وإيران. أعلنت واشنطن سحب قواتها تدريجياً من هناك، بيد أن طهران لا تنظر إلى خطوات الكاظمي بارتياح، وصفها حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة "كيهان" ومستشار المرشد علي خامنئي بأنها امتداد للخيانات التي تعرض لها آل البيت في الكوفة؛ لذلك تعمل الأذرع الإيرانية في العراق على إفشال جهود الكاظمي وعرقلة اقترابه من محيطه العربي أو إعادة التوازن الى الساحة الداخلية.
 
للإنصاف ليس العراق وحده من يعاني، وإن كانت معاناته هي الأشد؛ على المقلب الآخر، ينظر الأردن بقلق بالغ إلى تطورات القضية الفلسطينية وموجات التطبيع، مع تكرار الحديث عن فكرة الوطن البديل. أما مصر فإنها تمر وسط عواصف تهب من كل الاتجاهات، مع إثيوبيا في الجنوب، وتركيا في ليبيا والمتوسط وسوريا، والإرهاب في الداخل، والقضية الفلسطينية في الشرق... وإذا أضفنا إلى ذلك تداعيات كورونا التي تربك الجميع، يمكننا أن نقول إننا أمام دول مأزومة تعاني تحديات خطيرة على المستويات كافة.
 
لكن رغم كل تلك العقبات، فإن الطريق مفتوح أمام مصر والعراق والأردن لبناء محور اقتصادي، في المقام الأول؛ في مجالات: الطاقة والربط الكهربائي والبنية التحتية والاستثمار والتجارة؛ بغية تأسيس نوع من التكامل الاستراتيجي بين الدول الثلاث، عبر دفع التنمية وحرية تدفق الأموال والتقنيات والعمالة، إذ يقارب التبادل التجاري بينها نحو خمسة مليارات دولار... تبدو الآفاق واعدة من هذه الناحية، بإمكان المزاوجة بين القدرات البشرية والصناعية المصرية والثروات العراقية وموقع الأردن بينهما، باكورة هذا التعاون إنشاء خط بترول مزمع مده من البصرة العراقية، إلى مصر، مروراً بخليج العقبة عبر الأردن، تحصل القاهرة وعمان على الخام بأسعار تفضيلية، بينما تستورد بغداد منهما الكهرباء والمشتقات البترولية المكررة... ومعلوم أن التعاون الاقتصادي أقصر الطرق إلى التكامل الاستراتيجي.
 
يتردد في القاهرة وبغداد وعمان أن العراق طلب دعماً أمنياً ولوجستياً من مصر والأردن؛ حتى يتمكن من الوقوف في وجه التوغل التركي في شماله، لا سيما بعد أن نجحت مصر في وقف الزحف التركي إلى الشرق الليبي، عندما أعلن الرئيس السيسي الخط الأحمر "سرت- الجفرة" الذي لن تسمح لتركيا وأذيالها من ميليشيات الوفاق بتجاوزه، وأن القاهرة ستتدخل عسكرياً لو حدث ذلك، وهو تحرك مثل تحولاً جوهرياً في مسار الأزمة الليبية.
 
إن التقارب المصري - الأردني - العراقي، وفقاً لمشروع "الشام الجديد"، يؤسس لبناء أرضية صلبة وتحالف مثمر، تقطف ثماره شعوب الدول الثلاث والدول المجاوره التي قد تنضم لاحقاً، بخاصة لو خرجت من "تسونامي الأزمات". ورغم أسبقية الشق الاقتصادي على ما عداه، فإن تجمع "الشام الجديد" ضروري من أجل التخفف من محاور الصراعات، وكبح المشروعات التوسعية على حساب العرب: إيرانية أو تركية أو إسرائيلية، فالتكتل خطوة مهمة، في ظل اشتداد الصراع الجيوسياسي على الشرق الأوسط برمته، نتيجة لعبة القبائل الدامية بين العرب وعلى أرضهم، مع تهاوي الأبنية الشائخة للنظام العربي.
 
وحتى يلامس هذا التجمع مشارف النجاح يتوجب على أطرافه البحث عن تسويات سياسية في ليبيا وسوريا واليمن، أو على الأقل "تبريد جبهاتها"؛ حتى تستعيد عافيتها. إن إعادة الإعمار في العراق وليبيا وسوريا، على سبيل المثال، فرصة ذهبية للشركات المصرية والأردنية، تكفل تخليص الاقتصادين المصري والأردني من المعاناة المزمنة، وتسهم في تفجير مخزون القدرات الهائلة للاقتصاد العراقي، هذا مجرد بند واحد؛ لذلك يعد "الشام الجديد" ضرورة استراتيجية ينبغي الوصول بها إلى غاياتها، بعدما تحولت المصالح العربية إلى ركام؛ إن أخطر ما يهدد أمة ما هو غياب الأمل، ولعل "الشام الجديد"/ "المشرق الجديد" يشكل بصيص أمل، يزيح جانباً من ظلمة التطورات في منطقة الشرق الأوسط التي تمسك قبضة الغرباء بزمام قرارها وثرواتها!. وإن كتب لهذا التحالف النجاح ربما يتغير وجه المنطقة بالكامل، بخاصة مع دخول شركاء آخرين: السعودية، سوريا، لبنان، ليبيا والسودان وغيره، في إطار من المصالح المتبادلة ودعم استقرار المنطقة ونمائها.
 
يبدو الأمر حلماً بعيد المنال، لكنه ليس مستحيلاً، بأي معيار. يبقى السؤال الأولى بالرعاية: حول مدى قابلية "الشام الجديد" للحياة والنجاح، في ظل تململ أطراف إقليميين، واصطدام "التكتل" بأجندات الأشرار الثلاثة في المنطقة: إيران، تركيا، إسرائيل؟!... الإجابة عند قادة الدول الثلاث وشعوبها، ولعل ذلك يكون حديثاً آخر.
 
الكلمات الدالة