إعلان

الشرق الأوسط في العقيدة العسكرية الروسية ... "ارتكازات بديلة"

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
سفن حربية روسية في المتوسط
سفن حربية روسية في المتوسط
A+ A-
أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وثيقة الأمن القومي "العقيدة العسكرية" لروسيا الاتحادية، لتدخل حيز التنفيذ. وتعكس الوثيقة قلقاً واضحاً من تهديدات جديدة، في أوكرانيا وأفغانستان والشرق الأوسط، وتحدد ميكانيزمات ردع الأعداء المحتملين عن مهاجمة روسيا، ولو باستخدام الأسلحة النووية، وتوصي بإقامة حائط صد متقدم وأوراق لإجبار الغرب على الاعتراف بالمصالح الروسية وتسهيل ولادة عالم متعدد الأقطاب. من أجل ذلك تنقل موسكو خطوطها الدفاعية إلى مناطق أبعد كالشرق الأوسط، لدرء التهديدات أو تصعيد الأزمات داخل الدول والتكتلات المنافسة، ما ينذر بتحول المنطقة المنكوبة ساحة لصراعات النفوذ والهيمنة بين القوى الكبرى؛ فإلى أي حد تصدق المؤشرات؟
 
فرض الاحترام
وثيقة "العقيدة الروسية" الأخيرة نسخة محدثة من وثائق سابقة، في عهد بوتين، ففي عام 2000 تم إصدار العقيدة العسكرية التي أطُلق عليها "عقيدة استعادة الدولة"، وهي عقيدة غلب عليها الطابع الدفاعي، في مواجهة حلف الناتو الذي وصفته بالعدو الرئيسي لروسيا. وفي 2010، أعيدت صياغتها، تحت اسم "عقيدة فرض الاحترام"، مؤكدة حق روسيا في تأسيس جيش قوي، لمواجهة التحديات الجيوسياسية من جانب الغرب بقيادة الولايات المتحدة. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2014، وافق بوتين على نسخة معدلة من تلك العقيدة، وفي مطلع تموز (يوليو) الحالي اعتمد الرئيس الروسي نسخة جديدة من العقيدة العسكرية؛ بناء على تحليل المخاطر التي تهدد روسيا وحلفاءها. ولعل أبرز أهداف "عقيدة بوتين" الجديدة إضعاف حلف "الناتو"، وتحدي الهيمنة الغربية، ورعاية مصالح روسيا عالمياً بوصفها قوة عظمى.
 
ترتكز "عقيدة بوتين" إلى ركائز، منها: تحديث الجيش لتحقيق الردع، ومواجهة توسع الناتو شرقاً، ودعم قطاعات الاقتصاد الوطني وأمن الطاقة، وتعزيز التحالف مع مناهضي السياسات الغربية، كالصين وإيران، وأيضاً ممارسة "ضغوط القوة" على بعض دول الاتحاد الأوروبي، عبر توظيف موارد روسيا الهائلة من النفط والغاز.
 
وتلقي الوثيقة الضوء على الوضع العسكري السياسي في عالم اليوم حيث يتفاقم الصراع على مناطق النفوذ، وتتشكل مراكز قوة عالمية وإقليمية جديدة؛ لذا تتزايد أهمية القوة العسكرية أداةً لتحقيق الأهداف الجيوسياسية؛ ومن ثم تضمّنت العقيدة المُعَدَّلة آليات حماية المصالح الوطنية الروسية من التهديدات الخارجية والداخلية، بالإشارة إلى ضرورة ضمان المصالح الوطنية في القطب المتجمّد الشمالي، بكل السبل، وبالنظر إلى ااحتوائه على احتياطي ضخم من النفط والغاز. كما تنظر الاستراتيجية بقلق إلى برنامج واشنطن لنشر أنظمة الصواريخ البالستية الاستراتيجية، وتعتبره مقوّضاً للاستقرار وموازين القوى العالمية، فيما يعد لهجة صارمة تجاه حلف الناتو، لمنعه من ضم أوكرانيا وتحويلها إلى جبهة أمامية، وكان وزير الدفاع الروسي قد حذر من أن ذلك قد يؤدي إلى انهيار كامل للعلاقات بين روسيا والحلف.
 
وأوضحت الباحثة بمعهد بروكينغز ليليا شيفتسوفا، أن عقيدة بوتين تشرّع انتقال روسيا إلى نظام استثنائي، وهي بمثابة هدية الكرملين إلى الروس، لا سيما لجهة افتقار المعسكر الغربي ممثلاً بحلف الناتو إلى عقيدة استراتيجية واضحة، لمواجهة موسكو والخروج من المأزق الذي فرضته الولايات المتحدة على الاتحاد الأوروبي، بدفع دوله لفرض عقوبات اقتصادية على موسكو.
 
استراتيجية الزحف
تحسب روسيا خطواتها بدقة، وينتهج الرئيس بوتين استراتيجية "الزحف" أي احتلال المواقع خطوة خطوة، كلما كان ذلك ممكناً، مع مراعاة عدم السقوط في مغامرات تذهب بموارد روسيا وقدراتها، مثلما حدث مع الاتحاد السوفياتي السابق. تحيط بروسيا صراعات في أوراسيا والقوقاز والبحار الأسود والأبيض والأحمر والعالم العربي وأفريقيا، في ظل حالة الانكشاف وتهاوي الدولة القومية في بعض تلك المناطق، مثل أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، بعدما آلت الأوضاع إلى يد فصائل مُسلحة أو جماعات إرهابية، مع وجود دلالات على استمرار حالة عدم الاستقرار في منطقة الحزام الروسي، مثل أوكرانيا وأذربيجان وأرمينيا... وكذلك في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا طيلة العقد المقبل، لذلك تضع روسيا أقدامها في "نقاط ارتكاز"؛ قريباً من الحرائق لمنع تأثيراتها في المصالح الروسية. من أجل ذلك نشر مركز كارينغي تقريراً، في أيار (مايو) الماضي، بعنوان "روسيا في البحر المتوسط: وُجدت لتبقى"، أشار إلى أن موسكو باتت جهة فاعلة عسكرياً وسياسياً واقتصاديا في الشرق الأوسط، بخاصة في شرق المتوسط، فقد دخلت طرفاً في الحرب السورية وليبيا، وصارت شريكاً لإيران وتركيا ومصر، ودول الخليج وإسرائيل، مبيناً أنها تحاول استغلال الصراعات الداخلية داخل البلدان كإسفين لتعميق نفوذها الإقليمي. باختصار، يقدم الشرق الأوسط الراهن لروسيا العديد من الفرص لإحكام السيطرة هناك.
 
بينما أوضح تقرير لمركز ويلسون، عن العوائق التى تقف أمام دور روسيا في الشرق الأوسط، مؤكداً أن موسكو بعيدة من أن تكون قادرة على إنشاء نظام شرق أوسطي من تصميمها الخاص؛ فالتعاون الأميركي - الإسرائيلي في الشرق الأوسط مستمر، وحتى الآن لم تنافسه روسيا على الرغم من أن اتساع نطاق الأنشطة الروسية يفضي إلى تعقيد الوضع في المنطقة، وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. فقد أدى تقليص دورها إلى بروز قوى أخرى مثل إيران وتركيا وروسيا، إلى جانب الصين. وبرغم ذلك تهدف واشنطن للحفاظ على مصالحها متمثلة في: الاستقرار الإقليمي، مكافحة الإرهاب، منع انتشار الأسلحة النووية، أمن الطاقة وأمن إسرائيل. وأوضح التقرير أنه في ظل التحولات العميقة في الشرق الأوسط، تتباين أهداف الولايات المتحدة والصين وروسيا تجاه المنطقة، ويفيد التقرير بأن روسيا حققت حتى الآن مكاسب؛ فوجودها العسكري فعال، منذ 2015، وهي تتمتع بعلاقات مهمة مع الأطراف المتصارعة في العديد من النزاعات، وذلك جعل لروسيا نفوذاً ملموساً من أفغانستان وجنوب القوقاز إلى شمال أفريقيا، أما بالنسبة إلى الشراكة بين روسيا والصين، فهي لا ترقى حتى الآن إلى كونها محوراً قوياً في الشرق الأوسط.
 
نقطة الضعف
إلا أن الصورة ليست وردية بالكامل، تقف أمام روسيا عوائق تعرقل تقدمها في الشرق الأوسط. وبرغم أن روسيا حققت أفضل نجاحاتها العسكرية في سوريا وليبيا، وكافحت للتعامل مع تحركات تركيا، في أذربيجان وسوريا وليبيا، فإن الاقتصاد الروسي يعاني تدهوراً يجعل التوسع الدراماتيكي لنشاطها العسكري في المنطقة بعيد الاحتمال. كذلك لا يمكن لروسيا منافسة النفوذ العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة في المنطقة. ولو قررت الصين التحرك بقوة أكبر في الشرق الأوسط، فستحوز مساحات نفوذ أكبر من روسيا، لأنها تمتلك من الموارد والقدرات ما لا تملكه موسكو، وهذا يجعلها تفتقر لبعض سمات القوة العظمى؛ فإذا كانت القوات العسكرية الروسية تجعلها قوة كبيرة في الشرق الأوسط؛ فإن نفوذها الاقتصادي محدود وقصير الأجل، وغالباً ما يكون انتهازياً نفعياً بدلاً من استراتيجية تعاونية مصاغة بعناية، لهذا تقع السياسة الروسية في تناقضات فاقعة أو مواقف متغيرة مفاجئة حتى لبعض حلفائها، مثلما تبدّى في موقفها الأخير من سد النهضة، خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة بشأن القضية، فكان الموقف الروسي صادماً لمصر والسودان، منحازاً بفجاجة لإثيوبيا، وهو موقف تكتيكي براغماتي، للضغط على القاهرة والخرطوم؛ لانتزاع تنازلات في ملفات أخرى كسوريا وليبيا بالنسبة إلى مصر، أو الحصول على قاعدة عسكرية بحرية في السودان على شاطئ البحر الأحمر، يضمن لها التمدد إلى المحيط الهندي وقلب أفريقيا. وما يؤثر في تقدير مواقف هذه الدول إزاء السياسات الروسية وتقلباتها؛ أنها تتحرك في مناطق رمادية، وتخشى من انفلات الأزمة عن حدودها الحالية، من دون أن تقدم على أية مواقف توقف تدهور الأحداث، وبالطبع لن يؤدي ذاك إلى انسحاب روسيا من المنطقة، لكنه قد يمنع تعظيم وجودها.
 
وبغض النظر عن الديناميكية الروسية في المنطقة والعالم، فإن إصرار العالم العربي على السير في طريق التشرذم والتفسخ الحالي، يجعل مصالح شعوبه ألعوبة بأيدي الآخرين ... روسيا وغيرها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم