إعلان

موريتانيا تتصالح مع ماضيها وتبحث عن السلام مع عمقها الأفريقي

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
استثمار الغاز بين موريتانيا والسنغال
استثمار الغاز بين موريتانيا والسنغال
A+ A-
تشهد موريتانيا حراكاً دبلوماسياً لافتاً في الآونة الأخيرة مع جيرانها الأفارقة يبدو أن الهدف من ورائه هو طيّ صفحة الماضي وتطوير التعاون في شتى المجالات والقطع مع مرحلة النزاعات والحروب التي ميزت الحقبة السابقة. فالسنغال، عدو الأمس بالنسبة إلى نواكشوط بات اليوم شريكاً مهماً في مجال الطاقة بسبب حقل غاز أحميم الكبير المستغل من قبل البلدين، وكان مؤخراً محور اهتمام اللقاء الذي جمع وزير البترول والطاقة الموريتاني، عبدالسلام ولد محمد صالح ونظيرته السنغالية صوفي أكلاديما.
 
ولعل اللافت، إلى جانب الاتفاق على تطوير إنتاج الحقل، هو الخطاب الرسمي السنغالي الذي جاء على لسان الوزيرة والذي تحدث عن أهمية علاقات الأخوة وحسن الجوار بين البلدين في تطوير التعاون في الطاقة. فقد كانت المصطلحات السائدة في السابق في الخطاب الرسمي على ضفتي نهر السنغال، هي تلك المستقاة من معاجم الحروب والنزاعات والأزمات، حتى بات كل طرف في وقت ما كتلة من الشرور في عيون الطرف الآخر نتيجة للحرب الضروس التي دارت رحاها بين البلدين من أجل الحدود على نهر السنغال.
 
وتسعى موريتانيا أيضاً إلى ترسيم حدودها مع مالي أو مع إقليم أزواد الطارقي الذي ضمته فرنسا منذ عقود إلى سيادة باماكو حيث نصبّت حكومات موالية تؤمن لها استغلال الإقليم أفضل استغلال على غرار حكومات نيامي (النيجر) التي تؤمّن لباريس استغلال حقول اليورانيوم في أغاديس وذلك خلافاً للطوارق "المتمردين". واللافت أن وزير الداخلية الموريتاني محمود سالم ولد مرزوق الذي ترتبط بلاده بعلاقات وطيدة مع عدد من حركات التحرر في أزواد توجّه إلى باماكو لترؤس اللجنة الفنية المشتركة لترسيم الحدود وهو ما يعني ضمنياً اعترافاً موريتانياً بسيادة باماكو على إقليم ازواد الطارقي، وأن اتهام البعض لنواكشوط بدعم بعض الحركات الإنفصالية في أزواد هو اتهام لا أساس له من الصحة أو هو من الماضي الذي طويت صفحته بهذه الخطوة الموريتانية المالية المشتركة.
 
ويبدو من خلال هذا الاتفاق أن نواكشوط تبحث عن السلام مع مالي بالإمتناع عن التدخل في إقليم أزواد، كما تبحث أيضاً عن تأمين مواطنيها من مخاطر الإضطرابات الأمنية التي يشهدها الجوار الأزوادي. كما يساهم هذا الترسيم في فضّ الإشتباك بين سكان المناطق الحدودية من الجانبين حول المياه والمراعي باعتبار أن الأمر يتعلق بجزء من الصحراء الكبرى الأفريقية يتميز بمناخه الجاف والحار وبندرة تساقطاته على مدار العام.
 
وشهدت الأيام الأخيرة الإعلان عن فتح موريتانيا لسفارة لها في غينيا بيساو، المستعمرة البرتغالية السابقة، التي كان التمثيل فيها يقتصر على قنصلية رغم وجود جالية موريتانية مهمة فيها. وقد توطدت العلاقات بين البلدين بفعل التقارب الحاصل بين الرئيسين والزيارات المتبادلة بين الجانبين اللذين أدركا أن ما يجمع بين البلدين كثير وأن آفاق التعاون رحبة وتشمل الكثير من المجالات.
 
وبهذه التحركات المهمة وغيرها، تبدو نواكشوط على الطريق الصحيح لمحو الصورة النمطية التي رسخت في أذهان بعض الأفارقة عنها باعتبارها بلداً عنصرياً تمارس فيه العبودية على ذوي البشرة الداكنة من سكانه ولا تحتفظ حكوماته بعلاقات جيدة مع بلدان عمقها الإفريقي وتوجه كل اهتماماتها باتجاه العالم العربي. ويدعم هذا الرأي ما عرفه البلد من تحولات باتجاه القضاء على العبودية في السنوات الأخيرة ومنح المزيد من الحقوق لما يسمى بـ"الحراطين" أي أبناء وأحفاد العبيد من الزنوج الأفارقة.
 
والحقيقة أن موريتانيا لم تلغ الرق رسمياً إلا بصورة متأخرة مقارنة بتونس مثلاً التي ألغته قبل فرنسا والولايات المتحدة وذلك منذ عام 1841، فقد ألغي الرق في بلد المليون شاعر مع بداية ثمانينات القرن العشرين رغم أن هناك نصاً صدر في المنع مع بداية الستينات من القرن الماضي. لكن على مستوى الواقع ما زال الرق موجوداً وذلك بسبب الحالة الاقتصادية المزرية لـ"الحراطين" التي تجعلهم باستمرار في تبعية لأسيادهم السابقين أو أسياد آبائهم وأجدادهم الذين جمعتهم بهم روابط اجتماعية وقبلية يصعب أن تتفكك بالسهولة التي يتصورها البعض.
 
وبالتالي يبدو البلد في حاجة إلى عمل كبير لتوفير الظروف الاقتصادية الملائمة للقضاء على العبودية بعد أن تم توفير الظروف التشريعية والقانونية منذ الستينات من القرن الماضي، ولو أن هناك اتهامات بالتقصير تطاول الحكومات المتعاقبة في المجال التشريعي إذ يعتبر المنتقدون أن قوانين مكافحة العبودية هي فقط لتحسين صورة الحكومة لدى الدول المانحة للقروض والهبات، في حين أن الأجهزة الرسمية من شرطة وقضاء تغضّ الطرف على العبودية والممارسات العنصرية على حساب الحراطين. لكن هناك من يرى أن هذه الانتقادات هي إجحاف بحق هذه الحكومات التي قامت بكل ما في وسعها لكن ما ترسخ في الأذهان والممارسة منذ قرون يصعب القضاء عليه وتجاوزه في بضعة عقود.
 
كما يبدو الحراطين بحاجة اليوم إلى منحهم الكثير من الحقوق المدنية والسياسية، فهم لا يحصلون على الوظائف المهمة والمناصب السياسية في الدولة رغم وجود بعض الحالات النادرة التي تعتبر استثناءات. ولعل ما يحسب لموريتانيا أن هناك عدداً من الأحزاب والمنظمات التي تدافع عن حقوق الحراطين تمارس نشاطها من دون مضايقات من الطرف الحكومي على غرار حزب التحالف الشعبي التقدمي وذلك لقطع الطريق على من يتحسرون على الاستعمار الفرنسي الذي كان داعماً للتحرر في موريتانيا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم