إعلان

الإمارات... مساعي ترسيخ التعددية واستعادة الدين!

المصدر: النهار العربي
حسن المصطفى
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
تطوران متقاربان، لهما دلالتهما الخاصة، المتقاطعة مع موضوع "الخطاب الديني" في الإمارات العربية المتحدة، والمساعي التي تبذلها الحكومة هناك، تجاه تعزيز رؤية معتدلة، متصالحة مع قيم العصر، منزوعة "العنف"، وأيضاً بعيدة كل البعد عن "الإسلام السياسي" و"التحزب".

الحدث الأول، هو تعيين الشيخ المحفوظ بن بيه، أميناً عاماً لـ"منتدى تعزيز السلم" الذي يتخذ من العاصمة أبو ظبي مقراً له، ويرعاه وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد. 
 
الحدث الثاني، البيان الذي أصدره "مجلس الإمارات للافتاء الشرعي"، والذي اعتبر فيه "الإخوان المسلمين" جماعة "إرهابية".
 
بالعودة إلى تعيين المحفوظ بن بيه، أميناً عاماً لـ"منتدى تعزيز السلم"، وهي خطوة قد يعتبرها البعض إدارية إجرائية، كون المحفوظ هو نجل رئيس المنتدى الشيخ عبد الله بن بيه، كما أنه مواكب لكل نشاطاته، وشخصية رئيسة فاعلة فيه. إلا أن أهمية القرار، هي ترسيخ استمرارية العمل، ودفعه نحو مزيد من المأسسة والتطوير، ومزيد من الشفافية والجرأة في مقاربة العديد من الموضوعات والمشاريع الجديدة.
 
ميزة المحفوظ بن بيه، ليس كونه نجل أسرة علم وسياسة، إنما الأهم، إيمانه الشخصي العميق بالتنوع، الذي يمارسه على مستوى عائلته أو علاقاته الخاصة. 
 
"العلاقات الدولية" التي تخصص فيها المحفوظ بن بيه، وشبكة معارفه وصداقاته الواسعة العابرة للمذاهب والأديان، والعقل "التشاركي" الذي يسعى لتبريد الخلافات، ومحاولة حل المشكلات عبر الحوار، كلها نقاط قوة سوف تساعد الشيخ المحفوظ على أن تكون مقررات "منتدى تعزيز السلم" أكثر فاعلية، وتحويلها لمشاريع عمل مشتركة مع جهات متنوعة. وفي حال نجاحه في هذه "المهمة" سيكون للمنتدى دور في "حل النزاعات" خصوصاً تلك التي تنشأ لأسباب دينية وثقافية، وهي المهمة التي ستجعل له ثقلاً دولياً أكبر.
 
"مجلس الإمارات للافتاء الشرعي"، الذي عقد جلسته هذا الشهر برئاسة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، اعتبر أن "كل مجموعة أو تنظيم يسعى للفتنة أو يمارس العنف أو يحرض عليه هو تنظيم إرهابي مهما كان اسمه أو دعواه". 
 
المجلس في موقفه هذا، يريد التأكيد على أكثر من جانب:
1. حصر المرجعية السياسية بيد "الدولة"، التي هي المعنية بتنظيم العمل الحكومي، وقرار "السلم والحرب"، ومنع حدوث أي ازدواج في الرأي، يقود إلى وجود أكثر من مرجعية؛ وإلا سادت الفوضى، ووقع الهرج والمرج.
 
2. تجريم العنف والإرهاب، واعتبارها ممارسات خارجة على القانون، وبالتالي، لا يوجد غطاء شرعي لمن يقوم بها، حتى لو ادعى أن لديه مسوغات دينية.
 
3. رفض العنف، ليس أمراً مختصاً بجماعة أو تنظيم أو مذهب معين، بل هو موقف مبدئي، تجاه أي مجموعة حملت السلاح أو دعت لحيازته بشكل غير قانوني، لأن القانون يجب أن يطبق على الجميع، حفظاً للنظام العام.
 
بيان "المجلس" جاء "مؤكداً لما سبق أن صدر عن حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة وحكومة المملكة العربية السعودية من اعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا". وهو في تسميته "الإخوان المسلمين" صراحة، يريد أن يوصل رسالة مفادها أن الأبواب موصدة، وبقوة، في وجه "الإخوان" وأن لا مجال لأن يكون لهم دور في الإمارات، التي سبق وأن أوقفت قبل سنوات مجموعة من الأفراد، إنتموا لما عرف حينها باسم "التنظيم السري"، وهو تشكيل يؤمن بأفكار "الإخوان"، وكان لدى أفراده أجندتهم الخاصة التي أرادوا العمل عليها، رغم معرفتهم بمخالفتها للقوانين المطبقة في الإمارات.
 
إن مشكلة "الإخوان المسلمين"، تكمن في أمور عدة، أهمها:
1. ازدواجية الخطاب. فهم يستخدمون الديموقراطية وحقوق الإنسان كمطية للوصول إلى الحكم، إلا أنهم لا يؤمنون بها، ولا يعتبرونها قيماً أصيلة في الدولة الحديثة.
 
2. استخدامهم "الدين" في "السياسة". وهو استخدام نفعي من جهة، وإقصائي من جهة أخرى. هو مطية من أجل كسب الجماهير، والأتباع، وإلهاب حماسة الناس؛ وهو أيضاً وسيلة لقهر الخصوم، وهزيمتهم، والتحريض عليهم.
 
3. توسلهم "العنف" من أجل تحقيق الأهداف. وهو عنف لا يقتصر على الإيذاء الجسدي، بل أيضاً العنف الرمزي، أو حملات التشويه، وسواها من أشكال العنف؛ رغم ادعاء الجماعة أنها تؤمن بـ"العمل السلمي"، إلا أن هنالك شواهد تاريخية عدة، لا مجال لسردها الآن، تدل على تورطهم في الاغتيالات وحمل السلاح والتحريض.
 
4. عدم الاحتكام لـ"مرجعية الدولة"، والاستعاضة عنها بـ"مرجعية الجماعة"، والتي يكون فيها "المرشد" هو بمثابة الزعيم الذي تعلو كلمته على كلمة رئيس الدولة!
 
الإمارات العربية المتحدة، ومن خلال الحدثين المشار إليهما في بداية المقال، يجد المراقب أنها ماضية في ترسيخ خطاب ديني، معتدل، قادر على التصالح مع الذات والآخر، غير إقصائي، ويؤمن بالشراكة؛ وهي في الوقت الذي تدعم فيه "التسامح"، تشدد إجراءاتها القانونية على "الجماعات العنيفة" التي تعتبرها خطراً على المجتمع واستقراره  وتنميته، وأن أي تساهل معها سيؤدي إلى تقويض مفهوم "الدولة". 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم