إعلان

كي لا يسقط لبنان في فم التّماسيح!

المصدر: النهار العربي
طلال خوجة
أفكار انقاذية عدة تطرح والعبرة في التنفيذ. (شعلة الثورة. تصوير نبيل اسماعيل).
أفكار انقاذية عدة تطرح والعبرة في التنفيذ. (شعلة الثورة. تصوير نبيل اسماعيل).
A+ A-
في اعتصام أقيم أمام قصر العدل في طرابلس اللبنانية في أوائل آذار (مارس) الماضي من أجل دعم استقلالية القضاء، صرخ أحدهم وبصوت عال بعدما وقف على مسافة من المعتصمين أن "أحد الحاضرين كان يجتمع بالأمس مع بعض أركان السلطة"، مشيراً بالاسم إلى بعض النواب السابقين الذين حضروا إعلان المبادرة الوطنية، ومكملاً أنه "لا مكان له بين الثوار".
 
كان قد سبق "خطابه" طلب أحد المشاركين في الاعتصام من أحدهم مغادرة التجمع للسبب نفسه، علماً أن انتقادات أخرى أرسلت إلى البعض بالواتس آب. كادت هذه الحادثة التي تحولت الى تلاسن أن تتطور الى عراك، لولا تدارك بعض الداعين إلى الاعتصام، والمنتمين لفئات نخبوية من المهن الحرة. ذلك أنه من غير المعقول الخضوع للتهديد، لأنه كان سيعني سيادة منطق سلبطة في طرابلس يحاكي السلبطة التي مارسها "حزب الله" وأعوانه في الرينغ ووسط بيروت وفي معظم مناطق سيطرة الميليشيات. كما كان سيعمّق من منطق إلغائي متنامٍ في أوساط بعض الشباب الثائر، ما قد يهدّد الواقع الانفتاحي والمتنوّع الذي ساد في المدينة والذي جعل منها أيقونة الانتفاضة، جاذباً اليها الوفود المتدفقة من كل حدب وصوب ومحولاً خيمها وساحاتها الى مساحات حوارية وتثقيفية. 
 
الواقع أن البعض تحمّس عفوياً تأثراً بشعار "كلن يعني كلن"، وهو الشعار الذي سرى كالنار في الهشيم في كل الساحات والشوارع والميادين التي شكّلت مسرحاً للمنتفضين، إلا أن آخرين كانوا يعبّرون فعلياً عن رفضهم للمنطلقات الأساسية التي استند اليها إعلان المبادرة، خصوصاً وأنها أشارت بوضوح الى مسألتين أساسيتين هما قضية السيادة وسلاح "حزب الله" وارتباطه بإيران، والى اتفاق الطائف باعتباره أساس وحدة اللبنانيين الذين دفعوا غالياً ثمناً لهذا الاتفاق.
 
كما أن بعض المجموعات الشمالية، عارضت هذه البنود الواردة في الإعلان، وضمّت إلى جانب قوى يساروية ومتقاعدين عسكريين، بعضاً من النخب الطرابلسية التي حاولت تصدر الساحة المنتفضة.
 
والجدير ذكره أن لقاءات حصلت حول إعلان المبادرة كان هدفها إظهار تعارض بعض منطلقاتها مع "توجهات الثورة" والتي تركز على الفساد والهدر والأموال المنهوبة وما الى ذلك، وتهادن في الموضوع السيادي المتمثل بسيطرة "حزب الله" على مقدرات البلد بواسطة فائض القوة الفئوية التي صنعت نتائج الانتخابات الرئاسية والنيابية.
 
هكذا نرى أنه، برغم أن المبادرة الوطنية ضمت عدداً بارزاً ممن شاركوا بفعالية في مندرجات الانتفاضة في كل الساحات، إلا أن الخلاف في الرؤية والأهداف والمقاربات ظهر مبكراً، وبقيت المبادرة نخبوية إلى حد كبير. فمنذ البداية ربطت المبادرة الفساد السياسي والمالي بالوصاية والعبث بالدستور، محاولة ردم الهوة السياسية التي لم يجتزها المنتفضون، والتي جعلت حراكهم، الفريد بحيويته، والاستثنائي بعبوره للطوائف والمناطق، وباختراقه لجسم الأحزاب السياسية الطائفية وجذبه للشباب والشابات في الوطن والمغتربات، جعلته بلا أفق سياسي واضح. هذا العطب الأصلي الناتج أساساً من عفوية المنتفضين وغضبهم على الطبقة الساسية عموماً التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار الشامل، سهّل كل الاختراقات السياسية والأمنية، خصوصاً اختراقات "حزب الله" و"أمل" وصولاً الى التحكم بخيارات ومسارات بعض المجموعات، وبالتالي الدفع باتجاه أعمال وتجاوزات، ساهمت جميعها، معطوفة على مشكلة كورونا، بإضفاء سردية نمطية للانتفاضة أدت الى انتكاسات وتراجعات كبيرة في الحشود التي صنعت مجدها الأول، قبل أن يتبدد بممارسات أقل ما يقال فيها، إنها قصيرة النفس وتؤدي للإحباط والاحتواء. 
 
وتتهيأ المبادرة الوطنية لعقد خلوتها، متسلحة بوعي تراكمي شحذه نقاش سياسي تفاعلي استمر شهوراً، على تماس الواقع الانهياري الشامل للبنان، والذي زادت جريمة المرفأ المروعة من منسوب انهياره. وشاركت في النقاش مكوّنات كثيرة من أعضاء المبادرة ومن محيطهم الغني والمتنوع، علماً أن المبادرة تضم خليطاً سياسياً وثقافياً واعلامياً مخضرماً، ممن يحمل إرثاً نضالياً فكرياً وميدانياً، سواء من انتفاضة تشرين، أو من انتفاضة 14 آذار، أو من حراكات ونضالات المراحل السابقة التي عبقت بشتى أنواع التضحيات ضد العبث والوصاية والاحتلال، وبمواجهة الظلم والقهر والفساد، خصوصاً من الزمن الرومانسي.
 
وبرغم أن المبادرة تمتلك رؤية سياسية في كيفية إخراج البلد المقهور من الجحيم، تستند الى المسلّمات الأساسية في التمسك باتفاق الطائف وبالعروبة الطوعية الحداثية وبتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وبمواجهة الوصاية الإيرانية المتمثلة بفائض القوة الفئوية لـ"حزب الله" والتي تهدّد مثلث الحرية والعدالة والحقوق، وأيضاً وفي قضايا الحياد الإيجابي، كما في مواجهة خسارة البلد لميزاته التفاضلية في الاستشفاء والتعليم والثقافة والنشر، وفي قطاعات المصارف والسياحة والخدمات عموماً، بما فيها الخدمات القائمة على الاقتصاد المعرفي والتكنولوجيا الخفيفة soft) technology )، كما على جانب من الاقتصاد الغذائي والزراعي كالنبيذ والمعلبات، فضلاً عن اقتصاد الموضة والفن عموماً. ومع ذلك فإنها أمام تحديات كبيرة تتمثل أساساً في كيفية امتلاك برنامجها المرحلي أنياباً وليس أضراس عقل فقط، ذلك أن الخصم يمتلك الى جانب فائض القوة، فائضاً من الشراسة والغطرسة والفجور، فضلاً عن عدم الإحساس بآلام المواطنين ومآسيهم التي تسبّب بها أصلاً.
 
ومع الإشادة بالتوسع والتواصل مع  أكبر قدر ممكن من القوى والشخصيات التي يمكن أن تتقاطع مع المبادرة بالثوابت الرئيسية، يبقى أمامها أن تجاوب أيضاً على التساؤلات الآتية:
 
أولاً: كيف ستنجح في أن يتحول صوابها الإجمالي لخطة جذب ولو متدرجة لمعظم منوعات قوى المعارضة والاعتراص باتجاه التحوّل لجبهة سياسية عريضة.
ثانياً: ما هي عناصر الخطة التي يمكن أن تشكّل مداميك الجسر الذي يربط عودة الأمل بعودة الحشود، خصوصاً أن جبهات وتجمعات وتنسيقيات كثيرة تملأ قاعات الفنادق، على أمل أن يساعدها ذلك على أن تملأ الساحات، ومعظمها يتطلع لملء صناديق الاقتراع في انتخابات ما، ستبقى نتائجها شبه محسومة مع فائض القوة، هذا إذا حصلت.
ثالثاً: لطالما حذّرنا المنتفضين من وهم التغيير السريع والتلقائي الذي زرعته بعض القوى والمجموعات والشخصيات في أذهان الشباب والشابات، منتظرة تسلّم مفاتيح السلطة على طبق من فضة، وبعضهم بالتواطؤ الضمني أو العلني مع تحييد سلاح "حزب الله"، برغم أن جريمة المرفأ أنهت عملياً هذا التحييد وأربكت بعض المراهنين والمتسلقين.
 
ونظراً لأن وضع البلد والناس لم يعد يحتمل الانتظار، خصوصاً مع اقتراب جفاف أو تجفيف ما تبقّى من فلس الأرملة في موضوع الدعم والتباساته، يصبح السؤال في كيفية تعامل المبادرة مع الواقع السياسي والحكومي مشروعاً.
 
هل تكتفي المبادرة بصحة صواب نظرتها الاستراتيجية، أم تعمل أيضاً على شحذ أدوات التكتيك السياسي المرحلي لجهة التأثير في الصراع داخل السلطة وأطرافها؟ والتي ستعكس الحكومة العتيدة مستوى تلاؤمها مع الواقع الإقليمي والدولي وتطلباته وتحولاته المتسارعة.
واستطراداً هل يمكن المساهمة في استيلاد وتوجيه المراقبة والضغط لتنفيذ ما سُمّي بالورقة الإصلاحية الفرنسية أو بعضها، أو الأمل مفقود بالكامل وفالج لا تعالج؟ فالبلد على كف عفريت، وقد لا ينتظر هذا العفريت إسقاط الوصاية نهائياً، بل ربما يسقط البلد فريسة الجوع والفوضى الاجتماعية وربما الأمنية، ما يهدّد بسقوطه في فم التماسيح التي لا ترحم حين يحين الحساب.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم