إعلان

قمة تأكيد المؤكد... إلا إذا!

المصدر: النهار العربي
هادي جان بوشعيا
الرئيسان بوتين وبايدن
الرئيسان بوتين وبايدن
A+ A-
على قاعدة من الأمل الضئيل انعقدت في قصر "لا غرانج" التاريخي قمة الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، حيث نوقشت عشرات الملفات المعقدة والمتأزمة على الطاولة، كان أولها إنعدام الثقة بين واشنطن وموسكو وليس آخرها التصرفات العدائية على غرار الهجمات السيبرانية التي وضعها بايدن ضمن جملة من الخطوط الحمراء لبوتين.
 
صحيح أن الديموقراطيين في الكونغرس الأميركي أشادوا بحرص بايدن على الاجتماع ببوتين، إلا أن الجمهوريين انتقدوا ما وصفوه بموقف بايدن الضعيف تجاه بوتين، داعين إلى اتخاذ موقف أميركي متشدد تجاه موسكو.
 
إزاء ذلك كله، يمكن تحليل شكل العلاقة بين البلدين وكيفية التعامل مع الخطر الروسي المحدق بالولايات المتحدة الأميركية وفق أربع قراءات تناقش على النحو التالي:
أولاً، تدلّ الأجواء "الإيجابية" لقمة بايدن وبوتين على حوار صريح، مباشر وغير عدائي بين الجانبين، ما يمهّد لتحسين العلاقات الثنائية.
 
ولعلّ الاختبار الحقيقي لأي قمة بين رئيس أميركي ورئيس آخر خصم يكمن بانطباع ذاك الخصم عن الولايات المتحدة، والذي بدوره يتوجب عليه إحترام الخط الأحمر الذي رسمه بايدن لنظيره الروسي حول الهجمات السيبرانية على 16 نوعاً من المنشآت والبنى التحتية الأميركية الحساسة.
 
وتستخلص القراءة الأولى أن روسيا لا تمثل تهديداً وجودياً لأميركا كما كان الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، لكن طموحات بوتين في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط والفضاء الإلكتروني لا تزال تتعارض مع الولايات المتحدة. ويمكن للقمة أن تؤتي ثمارها في ما لو تمكن بايدن من إيصال هذه الرسالة لبوتين.
 
ثانياً، تجادل القراءة أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب كانت الأكثر تشدداً ضد روسيا منذ نهاية الحرب الباردة من خلال عقوبات غير مسبوقة على مؤسسات وشخصيات روسية، فضلاً عن تسليحها أوكرانيا لمواجهة العدوان الروسي وإقناع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو" بزيادة الانفاق الدفاعي بقيمة 400 مليار دولار أميركي.
 
لكن يبدو أن بايدن غير مستعد لمواجهة روسيا، فيما ترتفع الأصوات المطالبةً بإظهار القوة الأميركية من خلال الرد على أي هجمات سيبرانية تشنّ من داخل روسيا بهجمات مضادة تستهدف أجهزة الأمن الروسية والدائرة المقربة من بوتين، إضافة إلى إيقاف مشروع خط أنبوب الغاز "نورد ستريم2" وفرض عقوبات على الشركات التي تقوم ببنائه وتمويله.
 
ثالثاً، تناقش القراءة أنه، بخلاف سلفه دونالد ترامب الذي أمضى أربع سنوات يغازل في خلالها بوتين، تمكّن بايدن من رسم معالم سياسة براغماتية تجاه روسيا قائمة على ثلاثية التعاون والاحتواء والردع، فضلاً عن العقاب متى دعت الحاجة إلى ذلك.
 
كما يشكل لقاء جنيف أول اختبار حقيقي لبايدن لمعرفة ما إذا كان سيترجم تطلعات إدارته إلى أفعال، مع الإشارة هنا إلى أن بدء الحوار مع روسيا يجب أن تليه سياسة احتواء صارمة من خلال "الناتو" مع تعزيز التعاون في بعض القضايا مثل ملف النووي الإيراني والمساعدات الإنسانية في سوريا.
 
وفيما تدعو القراءة إلى وجوب فتح القنوات الدبلوماسية والعسكرية مع موسكو، وعقد لقاءات بين أجهزة استخبارات البلدين، إلا أن ذلك لا يجب أن يُستتبع بتطبيع كامل للعلاقات بين البلدين.
 
رابعاً، وفي مقلب آخر، تجادل القراءة مسألة تركيز إدارة بايدن على المنافسة مع الصين، ما يجعل الولايات المتحدة تتجاهل حقيقة أن روسيا هي التي تشكل أكبر تهديد على المدى القصير بفضل أنظمتها العسكرية المتطورة ناهيك بالضغوط التي تمارسها على جوارها، وتوظيفها للنفط والغاز كورقة ضغط استراتيجية لتحقيق مآرب نفوذية وجيوسياسية أكبر.
 
ولم تغب تدخلات موسكو في الانتخابات الأميركية والهجمات السيبرانية التي تستهدف مؤسسات حكومية وبخاصة في أميركا. كما أنه، على خلاف الصين التي تقرّ بارتباط اقتصادها بالاقتصاد الأميركي، يرى بوتين أن إضعاف أميركا وبايدن هما السبيلان لانتصار روسيا ووضع حد للمتاعب السياسية التي يواجهها في الداخل الروسي.
 
في المحصلة، وبين هذا وذاك، يمكن استخلاص الآتي وهو أن القمة جاءت لتؤكد المؤكد بين القطبين العالميين اللذين يحكمان قبضتهما على رقاب دول كثيرة أخرى تبقى مشتتة وتائهة بين الإنضمام إلى أي من هذين المعسكرين من عدمه، فيما يبرز التنين الصيني الذي يربك حسابات الأطراف كافة ويفسح في المجال أمام دول كثيرة لتوسيع دائرة خياراتها مع بروز ما بات يعرف بالتعددية القطبية التي تحيك سياساتها الاقتصادية على الصعيدين الجيوسياسي والجيواستراتيجي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم