إعلان

كيف تواجه الجامعة الأميركية في بيروت الأزمة؟

المصدر: النهار العربي
حسين عبد الحسين
داخل الجامعة الأميركية في بيروت
داخل الجامعة الأميركية في بيروت
A+ A-
يتباحث القيمون على الجامعة الأميركية في بيروت في الخيارات المتاحة لهم وسط الانهيار اللبناني الذي لا قعر له. في عضوية مجلس أمناء الجامعة نافذون ممن يتمتعون بعلاقات واسعة في واشنطن والعواصم الغربية، كما يمكن للجامعة الاستعانة بشبكتها الضخمة من الخريجين، وعدد كبير من هؤلاء من كبار المتمولين حول العالم.
 
أي خيار قد تتخذه الجامعة مبني على تقييم للوضع اللبناني، وهو ما يخلق مشكلة لا حلول واضحة لها، فالوضع اللبناني متحرك، أو بالأحرى متدهور، ولا يمكن للجامعة إعداد خطط طوارئ مع انهيار متواصل في سعر صرف الليرة اللبنانية، وهو ما يترك الجامعة أمام خيار وحيد، وهو التصرف بالاستناد حصرياً الى التبرعات، ومن دون التعويل على عائدات الأقساط الطالبية أو على عائدات المستشفى.
 
على أن المشكلة تكمن في ضخامة موازنة الجامعة، التي يبلغ عدد طلابها حوالى العشرة آلاف وتقارب موازنتها السنوية الجارية مبلغ النصف مليار دولار.
 
تملك الجامعة وقفية من 780 مليون دولار، ويمكن الاستعانة بهذه الأموال موقتاً لتمويل العجز السنوي، لكن مع تدهور سعر صرف الليرة، قد يستهلك العجز الوقفية بأكملها في غضون سنتين بالأكثر، حتى لو تقشفت الجامعة.
 
فكرة أخرى ممكنة تقضي بالعودة الى زمن التسعينات من القرن الماضي، يوم كان عدد طلاب الجامعة خمسة آلاف بموازنة تشغيلية سنوية كانت تبلع 110 ملايين دولار. في هذه الحالة، ستضطر الجامعة الى إلغاء عدد كبير من الكليات، ودمج بعضها ببعض، وإغلاق أقسام في المستشفى، وتسريح عدد كبير من العاملين لديها، لا من الموظفين العاديين ممن لا تشكل رواتبهم ذاك العبء الكبير، بل الأساتذة الذين يحملون في غالبيتهم المطلقة شهادات دكتواره من كبرى جامعات الولايات المتحدة. هؤلاء، بقوة شهاداتهم، يمكنهم البحث عن بديل للجامعة، حول العالم، يفيهم قيمتهم السوقية، وهو ما يجبر الجامعة على المنافسة بأسعار السوق، أي بالدولار، للحفاظ على بقاء الدكاترة من الأطباء والأساتذة في الكليات ومنع نزيف الأدمغة، الذي بدأ منذ سنتين.
 
لكن حتى مبلغ 110 ملايين دولار سنوياً هو مبلغ كبير بالنظر الى أن عائدات الأقساط والاستشفاء ستتحول الى هباء مع استمرار تدهور الليرة اللبنانية، اذ قد يصل الدولار عتبة الخمسين ألفاً في غضون عام، وهو ما يعني أن الأقساط لا تدفع حتى ثمن المازوت المطلوب لتشغيل الكهرباء للمستشفى في شكل متواصل، ناهيك بإضاءة حرم الجامعة الضخم.
 
هذا يعني أن خيار الجامعة الأميركية في بيروت سيتمحور حول تقليص عدد الطلاب الى أقصى حد ممكن، وإغلاق عدد كبير من الكليات وأقسام المستشفى، وتفادي الأقسام الأكثر تخصصية، والتي تكون عادة أكثر تكلفة، وهو ما يعني أن الجامعة ستسعى الى مواصلة العمل بأصغر كادر ممكن، على أمل أن تنخفض الموازنة التشغيلية الى ما دون 50 مليون دولار سنوياً، وهو ما يعطيها فرصة البقاء لفترة عقد بالاستناد الى التبرعات وتغطية العجز من عائدات الوقفية، أو بتسييل الوقفية نفسها مع الوقت لسد الحاجة، الى أن تنفد الأموال، فتقفل الجامعة أبوابها نهائياً.
 
والجامعة الأميركية في بيروت عاصرت حروباً كونية ومجاعات من دون أن تقفل أبوابها. الفارق هو أنه في الماضي، كان يمكن تشغيل الجامعة بالاستناد الى العطايا والمنح التي تجمعها إدارتها، بما في ذلك استخدام النقد الذهبي الذي كان يحمله الإرساليون الأميركيون معهم من بلادهم الى بيروت للاستغناء عن التعامل بالنقد التركي الذي انهار أثناء الحرب العالمية الأولى.
 
هذه المرة، لا ذهب ولا تغطية كاملة من التبرعات، بل ضرورة الاستناد الى العائدات بالدولار، ولبنان دولة نفد منها الدولار، وصار صعباً على الجامعة الأميركية في بيروت مواصلة عملها في ظل دولة تنهار.
 
الفكرة الوحيدة التي يقدمها القيمون على لبنان من أرباب "اقتصاد المقاومة" هي الصمود، والصمود يعني الصبر على الفقر والعوز، والاستعانة عليه بحصص تموينية، حزبية أو عشائرية، أو على منح الأمم المتحدة والجمعيات الخيرية الدولية.
 
و"اقتصاد المقاومة" هذا ليس مصادفة، بل هو مفصّل في مقدمة دستور "الجمهورية الإسلامية في إيران"، الذي يدين نماذج الاقتصادات الرأسمالية بسبب سعيها الدائم للربح، ويعتبر أن المال وسيلة وليس غاية. أصلاً في لبنان، لم يعد هناك مال غير الليرة اللبنانية الورقية التي تنهار قيمتها مع انهيار صدقية دولة لبنان. غياب المال هذا صار سلاحاً مسلطاً فوق رؤوس اللبنانيين ينذر بمجاعة، هذه المرة ستكون مجاعة لا تستثني الارساليات أو المؤسسات الأجنبية.
 
على عكس الأدبيات اليسارية التي شاعت في القرن الماضي، لم ينهض الغرب باستغلاله موارد الشرق، بل باقامته دولاً هي الأكثر نجاحاً تنظيمياً واقتصادياً. ثم بزغ الإسلاميون، واستعاروا من الفكر اليساري ما أمكنهم لتعزيز عدائهم للغرب، وهو عداء مدفوع غالباً بالدين وبعض أساطيره، فصارت "اقتصادات المقاومة" مزيج من الفشل السوفياتي والعناد الديني. لكن السوفيات غيّروا يوم انهاروا. أما الدين فلديه قدرة أكبر بكثير على بيع الأوهام وتسكين الناس، كما قال كارل ماركس نفسه.
 
الجامعة الأميركية في بيروت خياراتها محدودة، بين التقليص الى الحد الأدنى الى أن ينفد الاحتياطي فيأتي الاغلاق، أو البحث عن دول غير لبنان، تكون طبيعية، عملتها ثابتة وقوانينها نافذة وسيادتها ناجزة. أما لبنان، فمهمته البحث من طريق العودة الى الدولة، وهي الطريق التي أضلّها، والتي لا يبدو أن أياً من القيمين عليه يعرفون كيف يعودون اليها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم