إعلان

لبنان … هل يستحق الانقاذ؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
من الانتفاضة اللبنانية
من الانتفاضة اللبنانية
A+ A-
عندما كان يُذكر اسم لبنان في الخمسينات وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، يتبادر الى الذهن بلد جميل، وشعب أجمل. وأذكر في طفولتي قبل أن أزوره كيف أن كل إجابة لمن زاره تبدأ بابتسامة مشرقة، وتنتهي بنظرة اشتياق.
 
ثم جاءت الحرب الأهلية في 1975 وبدأت اللوحة الحالمة للبحر والوادي والجبل تختلط بلون الدم والدخان، وتحول اشراق الابتسامة الى عزاء، واشتياق النظرة الى وداع. وكاد اليأس من عودة الحبيب الغائب يغلب الأمل، حتى استيقظنا ذات صباح جميل من العام 1989 على اتفاق الطائف، ونهاية الكابوس.
 
الزيارة الأولى
زرت بيروت للمرة الأولى عام 2002 وشهدت لقاء البحر والجبل، الريح والمطر، مع رائحة مميزة، لم أعرف الى اليوم ما هي، وأحسب أن النسيم زفها من غابات الأرز، مروراً بوديان الزيتون، وساحل الأبيض المتوسط.
 
كانت مآسي الحرب لا تزال موسومة على الجدران، محفورة في الشطآن. وفي المقابل، انتشرت البلدوزرات والرافعات في كل مكان، تزيل وتبني، خصوصاً في منطقة البلد ومشروع السوليدير.
 
أحببت بيروت، أحببت صور، وصيدا وطرابلس وبعلبك. أحببت جبال لبنان ووديانه وشطآنه... وأهله. وسرعان ما وجدت نفسي بين أصدقاء من كل طائفة، تجمعنا الفكرة والأغنية والكتاب. نختلف ربما أكثر مما نتفق، ولكننا في كل حوار نستمتع بالاختلاف ونتعلم منه ونخرج بعده أكثر فهماً واحتراماً وصداقة. لم أجد مثل هذا عند العرب ... سعة أفق، تسامح، وتقبل للآخر.
 
آخر مرة
على أن آخر مرة استمتعت فيها بهذه الأجواء كانت في عام 2010. لا أدري بالضبط ماذا تغير بعد ذلك. هل هو الربيع العربي؟ الحرب الأهلية السورية؟ التغول الفارسي؟ كل ما أعرفه أنني في كل زيارة ألحظ تغيراً ما. الحياة الاجتماعية لم تعد حافلة، صاخبة، مرحة. الأجواء مشدودة، الحوارات هامسة، وفي الأفق نذر عاصفة.
 
وفي آخر زيارة لمنطقة البلد، السوليدير، شارع الحمراء، الأشرفية، والضاحية… بدت الحياة خافتة والوجوه غائمة والعيون حائرة. أين بيروت؟
 
في فاريا ومدن الساحل الجنوبي وجباله بدت الصورة أجمل وأهدأ. ربما لأن للطبيعة الساحرة، وحياة الريف طعم مختلف. وربما لتماهي السكان مذهبياً ومعيشياً ولوحدة السلطة المرجعية، مقابل صراع "ملوك الطوائف" على موارد العاصمة السياسية، والاقتصادية والبشرية.
 
اليأس والأمل
يتساءل من لم يزر لبنان، لماذا كل هذا الاهتمام العربي به؟ سقط العراق وسوريا قبله في آتون الصراع والفساد والهيمنة العجمية، وهما الأكبر والأغنى والأهم، فلماذا القلق على بلد صغير المساحة، ضعيف الموارد، قليل الحيلة؟
 
قرأت كثيراً من الإجابات المنحازة لمحب وكارهٍ، وأحسب أن العاطفة تغلب فيها على الرأي، والتبرير يطغى على التفسير. فمن يسطو عليه اليأس من عودة لبنان الى الحاضنة العربية، وخلاصه من فساد السلطة وتنازع الطائفة وشتات الرعية، يرى أن يغسل العرب يدهم منه، ويركزوا الموارد المحدودة على إنقاذ البلدان الأكبر والأهم، من العراق الى ليبيا ومن سوريا الى اليمن، إضافة الى القضية "المزمنة"، فلسطين.
 
ومن يقوده الأمل يرى أن المواطن اللبناني ما زال عربياً، محباً، مشرقاً، يستحق الحياة. وأن "سويسرا الشرق"، التي جمعت العرب بأطيافهم ومرجعياتهم على طاولة الحوار، وقدمت أنموذجاً يحتذى لحرية التعبير، والقبول بالآخر، وجودة الحياة، جنة تستحق الإنقاذ مهما طال الزمن، وكلف الأمر.
 
الثورة الجديدة
أميل الى الرأي الأخير، وأن كنت أتفهم أسباب الرأي الأول. فالخناق بلغ أشده، والمحنة بلغت مداها. ولا أرى طريقاً بيّناً للخلاص من هيمنة الفرس، سياسياً وأمنياً ومالياً، على كل مفاصل الحكم ومناحي الحياة.
الا أنني ايضاً أرى تحولاً يزداد قوة وعناداً وشجاعة في المزاج اللبناني. فالصورة اتضحت إلا لمن أصيب بعمى الطائفية والمصالح الشخصية، وزاد حراك اليائسين، الغاضبين قوة. وكلما تصاعد الفشل الحكومي والتردي السياسي والانهيار المالي، كلما تآلف المختلف، وتقارب المتباعد، واجتمع الخلق على التغيير … والثورة.
 
ولأن الارتداد القوي بعد الوصول الى القاع أمر حتمي، فعلينا أن نستعد منذ اليوم للتعامل معه. ولا أشك في أن المستبد يخطط لتلك اللحظة. ورغم أنه الأقرب اليها، والأكثر استعداداً للتعامل معها، الا أنه لا يملك كل أوراقها، ولا يسيطر على كل مفاصلها، وأهمها إرادة الشعب اذا أراد الحياة، واستجابة القدر.
 
العرب أولى
والمجتمع الدولي ليس أقرب ولا أولى منا بالتخطيط لليوم التالي، فنحن أهل الثائر، ونحن أصحاب القضية. ومن حق اللبناني علينا أن نوجه ونقود مشروع العالم لمؤازرته وإنقاذه. وقد لا نتمكن اليوم من التدخل المباشر، فما زال الشعب يغلي ولكنه لم ينفجر. ولا تزال كلمته مكبوتة، وصوته مبحوح. ولا تزال الطائفية متجذرة، والقيادات مستسلمة، والمصالح طاغية.
 
وطالما لم تطلب منا الأسر الحاكمة إنقاذه من المشكلة، وبقيت المطالب حكومية، مالية، بلا مشروع جاد للإصلاح، ومحاربة الفساد ومواجهة الهيمنة، فمن حق العرب والعالم الامتناع عن مد المفسدين بالعون لمواصلة نهب المال العام، واستيراد المجرمين، وتصدير المخدرات والإرهاب. ومن واجبنا عدم مساندة من يسعون لطمس الهوية العربية وفرض الهيمنة الطائفية وتحويل البلد الى محطة ترانزيت ومنصة ولائية ملالية، تكره العرب، وتحتقر "البدو" و"تعشق السجاد العجمي".
 
لكن يوم الثورة الكبرى اقترب، فلا مخاض بلا ولادة، و"لبنان الكرامة والشعب العنيد" بات قاب قوسين أو أدنى من لحظة الاتحاد والاشتعال والانفجار. وعندها سيأتي دور العرب للقيام بواجبهم نحو أخ مبتلى.
 
والأمل أن لا نكرر أخطاءنا في التعامل مع الثورات العربية الأخرى، نتأخر فيسبقنا العجم، ونتردد فيحسمها الغريب، ثم نستيقظ بعد خراب مالطا ... كما حدث في العراق وسوريا وليبيا … واليمن.
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم