إعلان

ليبيا بين التوافق الأوروبي ومطلب رحيل القوات الأجنبية

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
وزراء خارجية ليبيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا في طرابلس
وزراء خارجية ليبيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا في طرابلس
A+ A-
تشهد ليبيا في المدة الأخيرة اهتماماً متزايداً من بعض البلدان الأوروبية التي يبدو أنها شعرت بأن الثمرة قد نضجت وآن أوان قطافها، وهي التي أنفقت الغالي والنفيس للإطاحة بنظام القذافي وللسيطرة ميدانياً على البلد بعد رحيله. فإضافة إلى ألمانيا راعية مؤتمر برلين حول ليبيا والتي ينشط سفيرها في طرابلس في شكل لافت يواصل المستعمران السابقان لبلد عمر المختار، أي فرنسا وإيطاليا، مساعيهما الدبلوماسية للدفع باتجاه الاستقرار من جهة وضمان مصالحهما في هذا البلد الغني والمترامي من جهة ثانية.
 
ويبدو أن البلدين قد تجاوزا مرحلة التنافس التي سادت في السابق وتجلت في تنظيم فرنسا مؤتمر باريس حول ليبيا الذي قاطعته إيطاليا حيث ساد غضب كبير في روما خشية من أن تهيمن فرنسا على الملف الليبي ويتم استبعاد إيطاليا من بلد عمر المختار على غرار ما حصل بعد هزيمة الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية. فالسائد اليوم بين دول القارة العجوز بشأن ليبيا هو التعاون من أجل استقرار الحكم المركزي في طرابلس ثم اقتسام كعكة الثروات الطبيعية بعد أن حددت الأنصبة ورضي كل طرف بما تم الاتفاق عليه.
 
ولعل زيارة كل من وزير خارجية إيطاليا لويجي دي مايو إلى العاصمة الليبية طرابلس بمعية نظيريه الفرنسي والألماني والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيبي بوريل يؤكد هذا الانسجام الأوروبي في ما يتعلق بليبيا. ومن المؤكد أن هذا التوافق سيعود بالخير على ليبيا أمنياً وسياسياً لكنه سيكون وبالاً على بلد عمر المختار اقتصادياً حيث ستستنزف ثرواته من قبل هذه البلدان التي ترى في ثروات ليبيا طوق نجاة من أزماتها الاقتصادية المستفحلة منذ سنوات.
 
ولعل ما يؤكد هذا الانسجام الأوروبي أيضاً هو عدم إنزعاج روما من زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي إلى باريس ولقائه الرئيس إيمانويل ماكرون، وذلك خلافاً للهجمة الشرسة التي طاولت فرنسا ورئيسها من قبل الإيطاليين إعلاماً ومعارضة عند تنظيم مؤتمر باريس بشأن ليبيا. فقد وصل يومها الأمر بالإيطاليين إلى حد استدعاء رئيس حكومة الوفاق الليبية السابق فائز السراج الذي هبّ مسرعاً من باريس إلى روما لطمأنة الإيطاليين بأن مصالحهم في ليبيا لن تُمس وأن مستعمر الجنوب الليبي السابق، أي فرنسا لن يزيح مستعمر الشمال الليبي السابق، أي إيطاليا.
 
ولعل السؤال الذي يطرح من قبل غالبية المتابعين والمهتمين بالشأن الليبي، هو لماذا يتوجه محمد المنفي في أولى زياراته الخارجية بعد انتخابه رئيساً للمجلس الرئاسي ونيله ثقة البرلمان، إلى باريس وليس إلى عاصمة أخرى؟ هل لدى المنفي ارتباطات بفرنسا باعتبار انتمائه إلى الشرق الليبي الذي كان أصحاب القرار فيه ضمن المحور ذاته الذي تتواجد به فرنسا وذلك بالرغم من أنه كان سفيراً لحكومة السراج في اليونان؟ أم هل أن دراسته الجامعية في فرنسا هي التي غلّبت كفة باريس في نهاية المطاف وتم تغليب الجانب الذاتي رغم أن الأمر يتعلق بدولة ومصالح وعلاقات خارجية؟
 
يبدو أن المنفي يدرك تمام الإدراك أن واشنطن قد فوضت شؤون ليبيا إلى حلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي بعد الاتفاق الأممي الأخير، كما أنه يدرك جيداً حجم كل بلد أوروبي والوزن السياسي الذي يمثله. فألمانيا هي قوة اقتصادية بالأساس، وقضت النصف الثاني من القرن العشرين مقسّمة ومتقوقعة سياسياً على ذاتها، ولا تمتلك الخبرة الكافية لإدارة الملفات الخارجية والقيام بالوساطات. أما إيطاليا وباستثناء دعمها لانقلاب زين العابدين بن علي على الحبيب بورقيبة في تونس عام 1987 من خلال رئيس وزرائها آنذاك بيتينو كراكسي، فقد كانت غائبة عن شمال إفريقيا منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية ولا تمتلك دبلوماسيتها أيضا تقاليد في إدارة عملية سياسية من هذا القبيل.
 
لذلك تبقى لفرنسا الريادة أوروبياً في منطقة شمال إفريقيا باعتبار تأثيرها الثقافي والحضاري والسياسي والاقتصادي ثابتاً وجلياً وملموساً في كل مكان من هذه الرقعة من العالم. فحتى مصر التي تصنف على أنها مستعمرة بريطانية سابقة، غزاها نابليون في زمن سابق للهجمة البريطانية وأثر في قوانينها المدنية وهو ما يدركه دارسو القانون وطلبة الحقوق. لذلك فبلد فولتير هو الأكثر فهماً للواقع الليبي وللجغرافيا السياسية لكامل المنطقة ولديه الخبرة الكافية في مساعي الوساطة وإحلال السلام، وبالتالي فإن فرنسا هي التي ستقود أوروبا سياسياً في الملف الليبي خلال الفترة المقبلة بتزكية أميركية لا غبار عليها، وهو ما يدركه محمد المنفي الذي حل ضيفاً على الإليزيه.
 
ولعل السؤال الذي يطرح اليوم بشأن تطورات الملف الليبي، ما مستقبل الأتراك في بلد عمر المختار؟ هل منحوا ما جاءوا من أجله وضمنوا نصيبهم من الكعكة؟ أم أن دورهم قد انتهى مع نهاية حليفهم السراج وسيعودون من حيث أتوا مع هذه الدعوات بإنهاء الوجود الأجنبي في ليبيا خصوصاً مع ما عرف لدى الأوروبيين لا سيما الفرنسيين من انزعاج لأي دور تركي في المنطقة؟ وما مستقبل التواجد الروسي أيضاً خصوصاً أن الروس لا يذعنون مثل الأتراك لإملاءات واشنطن ولا يؤدون لها مهمات بالوكالة مثلما تفعل أنقرة؟ فموسكو قد خسرت الكثير في ليبيا بعد سقوط القذافي ولا يبدو أنها ستتخلى بالسهولة التي يتصورها البعض عن تواجدها بالمياه الدافئة في بلد غني ومترامٍ وقليل السكان.
 
يرى البعض أن من بين الحلول التي قد تدفع بالشركات الأمنية الروسية إلى الرحيل عن ليبيا هو مقايضة موسكو بالملف السوري، وبالتالي ستتحول ليبيا إلى ورقة للتفاوض مع الغربيين حول الأوضاع في سوريا. فالأوروبيون والأميركيون مصرون على مغادرة الشركات الأمنية الروسية الأراضي الليبية وعبّروا عن ذلك مرات عديدة وآخرها تصريحات ماكرون لمناسبة زيارة المنفي إلى باريس والتي عبر فيها صراحة عن انزعاج بلاده من تواجد القوات الأجنبية التركية والروسية والمقاتلين الأجانب في ليبيا ودعاهم إلى المغادرة فوراً لتحقيق الأمن.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم