إعلان

ليبيا... حين يُجهز أبناء البلد على وطنهم خدمة لأجندات الآخرين

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
جلسة الإعلان عن تأجيل الانتخابات الليبية.
جلسة الإعلان عن تأجيل الانتخابات الليبية.
A+ A-
أثار تأجيل الانتخابات الرئاسية في ليبيا جدلاً واسعاً بين أبناء البلاد، بين المؤيدين لهذا القرار غير المفاجئ، من جهة، والرافضين له من جهة أخرى، ولكل حججه وأسبابه في هذا الإطار، والتي تبدو منطقية ومقنعة إلى أبعد الحدود، سواء من هذا الطرف أو ذاك.
 
ومع أن الحجج المقدمة من مختلف الأفرقاء تبدو للوهلة الأولى أنها تتعلق بالمصلحة العامة لعموم الليبيين، إلا أن المتمعن في المصالح والولاءات وغيرها، تتراءى له الحقيقة مختلفة تماماً عمّا يصدر من تصريحات من هنا وهناك.
 
أغلب الفرقاء يدافعون بشراسة عن مصالح خاصة ومصالح جهات يدينون لها بالولاء في الخارج، ولا يبدو أنهم يعيرون اهتماماً لما يريده عموم الليبيين الذين سئموا من حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي طبعت العشرية الماضية، كما ملّوا الأوضاع الاقتصادية المزرية ويرغبون في التنعم بثرواتهم من النفط والغاز، والتي لم يعد لهم فيها نصيب كبير على ما يبدو، بعدما تقاطرت عليهم القوى الدولية والإقليمية من كل حدب وصوب تريد نصيبها من الكعكة.
 
ولعل ما يؤكد الصراع على المصالح بين أفرقاء الداخل والخارج هو تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، التي اعتبر فيها أن لا عوائق فنية أمام إجراء الانتخابات الليبية في موعدها، ولكن العقبات برأيه هي سياسية وقانونية. فهناك أطراف سياسية فاعلة في الميدان لا ترى، على ما يبدو، مصلحة في إجراء الانتخابات التي قد تُنهي وجودها العسكري أو الميليشيوي أو تُنهي حالة خوف الليبي من الليبيين الآخرين التي تتخذها هذه الأطراف ذريعة للبقاء. وهناك جهات أيضاً قد تكون شعرت بضعف حجمها الانتخابي، وعدم قدرتها على إيصال مرشح ما، وهي مستفيدة من الوضع الحالي، وبالتالي فإن من مصلحتها أن تبقى دار لقمان على حالها.
 
ويرى البعض أن التطورات الأمنية الأخيرة في العاصمة، طرابلس، على إثر الإعلان عن تأجيل الانتخابات، يجب أخذها على محمل الجد، والانتباه من خلالها إلى خطورة ما يحاك لليبيا بهدف إطالة أمد الفوضى، للهف خيراتها بلا رقيب أو حسيب. فقد عادت الميليشيات المسلحة الموالية للأطراف السياسية، والتي كان من المفروض أن يتم حلها ونزع أسلحتها، إلى خلق التوتر وأجواء الصدامات والصراعات المسلحة والحروب الأهلية من أجل تأجيل الانتخابات إلى ما لا نهاية، وحتى يصعب إجراؤها في المدى القريب.
 
ويبدو أن الأطراف الإخوانية التي كانت تنضوي سابقاً تحت مسمى "فجر ليبيا"، وآخرين على شاكلتها، والمدعومين من الأتراك المرابطين في ليبيا بجيوشهم ومرتزقتهم، هم بالأساس من دفعوا باتجاه تأجيل الانتخابات، مع قوى أخرى، متذرعين بأن قانون الانتخابات، الصادر عن البرلمان الليبي الشرعي، قد خرق اتفاق الصخيرات. وقد رفض ما يسمى "المجلس الأعلى للدولة" الذي يهيمن عليه "الإخوان" هذا القانون، فكانت البداية التي أوصلت البلاد اليوم إلى تأجيل أهم استحقاق انتخابي في تاريخها، كان من المنتظر أن يكون لبنة أولى لتشييد مؤسسات الدولة الليبية الوليدة.
 
وساهمت الأجواء السلبية أيضاً التي تسببت في إبعاد مفوضية الانتخابات، وبدفع من "الإخوان"، لأكثر من عشرين مرشحاً، من بينهم خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي، والأخير بحجة أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، في الدفع باتجاه تأجيل الانتخابات، حيث ساهم هذا الإبعاد في ضرب الثقة التي كانت قائمة في مفوضية الانتخابات، وذلك مثلما حصل في تونس بعدما وضعت حركة "النهضة" يدها على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وجعلتها تتغاضى عن الخروقات التي حصلت في الداخل والخارج للعملية الانتخابية.
 
ولعل تأجيل المفوضية لنشر القوائم النهائية للمرشحين للانتخابات الرئاسية في موعدها، وكذلك القوائم الأولية لمرشحي انتخابات مجلس النواب، وذلك بحجج واهية وغير مقنعة، هو الذي زاد الطين بلة، ومثّل أيضاً القطرة التي أفاضت الكأس. فقد ساهم ذلك في خلق مناخ من عدم الثقة بين المفوضية وباقي أطراف العملية الانتخابية، خصوصاً بعدما طلب نواب في البرلمان من المفوضية أن توضح سبب عدم التزامها بما جاء في القوانين الانتخابية، وأسباب عدم تنفيذ الجدول الزمني المحدد، لكنها لم تستجب.
 
ويبدو أن هذه المفوضية، بضغط من الأطراف المشار إليها، وبعدما ساهمت في خلق هذا المناخ المتوتر، قد وجدت الظرف مناسباً لإعلان قرارها بحل اللجان الانتخابية وإنهاء أعمالها، والرجوع إلى ما سمته "الوضع ما قبل العملية الانتخابية". ولعل الإعلان عن عدم تجديد العقود الموسمية في كل مكاتب المفوضية وفروعها، مع تسوية المستحقات والالتزامات المالية التي ترتبت على العملية الانتخابية، يؤكد أن هذا الهيكل الانتخابي، بدفع من تلك الجهات المعلومة، قد وأد أي أمل في إجراء الانتخابات في موعد قريب، وكأن هذا الاستحقاق بات جريمة وجب طمس كل آثارها، وقطع الطريق نهائياً على الراغبين في حصولها.
 
إن ما هو أكيد أن كل الأطراف الإقليمية والدولية تبحث عن مصالحها على الأرض الليبية، وبالتالي قد لا يلومها البعض في عالم تطغى عليه شريعة الغاب، حيث يلتهم القوي ضعيف القوم من دون شفقة. لكن التاريخ لن يرحم بأي حال من الأحوال، كما الأجيال الليبية القادمة، هؤلاء الذين انخرطوا في عملية تدمير ممنهج لوطنهم خدمة لمصالح الأسياد وراء البحار والمحيطات.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم