إعلان

في مساءلة، أو في تفكيك، سؤال ما العمل؟ فلسطينياً

المصدر: النهار العربي
ماجد كيالي
ماجد كيالي
من عوامل الخسارة: عدم مساءلة التجربة الفلسطينية عن إخفاقات المراحل السابقة. (الصورة عن "أ.ف.ب").
من عوامل الخسارة: عدم مساءلة التجربة الفلسطينية عن إخفاقات المراحل السابقة. (الصورة عن "أ.ف.ب").
A+ A-
 
احتلّ سؤال: "ما العمل؟" مكانة الصدارة، مؤخراً، في أدبيات الكيانات الفلسطينية، وفي خطابات نشطاء ومثقفين داخل الأرض المحتلة وخارجها، في محاولة منهم للإجابة عن المخاطر والتحديات التي تواجه شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، بيد أن الإجابة عن هذا السؤال لم تكن وافية، أو مطابقة، أو عملية، مع التقدير لكل من حاول ذلك، لأسباب عدّة أهمها:
 
1 ـ معظم الإجابات، على أهمية بعضها، أتت تقليدية، وعلى شكل روشيتات، طالما جرى طرحها في المراحل السابقة، وعند كل منعطف، من مثل: الوحدة الوطنية، وتعزيز الصمود، واستمرار المقاومة، وتفعيل منظمة التحرير، أو إعادة بنائها من جديد، وأضيف إليها مؤخراً، أي بعد إقامة السلطة وانسداد خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، خيارات أخرى من مثل: مراجعة الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني معها، أو حلّ السلطة، أو تحديد وظائفها، أو الذهاب نحو التوافق، أو الانتخابات، أو تجديد الشرعية الخ...
 
2 ـ معظم الإجابات ذهبت إلى توصيف وتحليل واقع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والمعطيات المحيطة به، لكنها لم تطرح أفكاراً جديدة، أو خطوات عملية، أو ممكنة، على الأقل على صعيد إعادة البناء الذاتي، إذا أخذنا في الاعتبار العجز عن مواجهة التحديات الخارجية.
 
3 ـ ثمة إجابات تضمّنت أفكاراً عملية وملموسة لكنها اتّسمت بالرغبوية، إذ لم تراع الإمكانيات، والمعطيات الخارجية، أو الموضوعية، المحددة للكفاح الفلسطيني أو المتحكمة به. 
 
4 ـ ثمة إجابات تضمّنت أفكاراً عملية لكنها لم تأخذ في اعتبارها من يملك القدرة والآلية والموارد، لتنفيذ تلك الأفكار، لا سيما في ظل الانفصام بين القيادة الفلسطينية وأصحاب الرأي الفلسطينيين، وفقاً لمعادلة: "من يستطيع لا يريد، ومن يريد لا يستطيع".
 
ليست تلك هي المرة الأولى إذ حصل ذلك مراراً نتيجة عوامل عدة، أهمها:
 
أولاً، عدم مساءلة التجربة الفلسطينية عن إخفاقات المراحل السابقة، في الأردن ولبنان والضفة وغزة، وعدم المساءلة في شأن مشكلات بناء المنظمة أو السلطة، أو في ما يخص تحديد خيارات المقاومة المسلحة أو المفاوضة أو الانتفاضة، أو خيار التحرير أو التسوية، مع كل التقدير للتضحيات المبذولة، والإنجازات المتحققة؛ إذ ولا مرة خضعت تلك التجربة للفحص والمراجعة والنقد، برغم تجربة عمرها 55 عاماً. وكما شهدنا في اجتماع قادة الفصائل (3/9)، لم تطرح أي قضية خلافية، ولم تجر أي مراجعة للتجارب والخيارات التي انتُهجت، علماً أن ذلك الاجتماع الذي بشّر بانتهاء أزمة الانقسام، ووعد بعقد اجتماع ثان لقادة الفصائل، وبتوحيد الجهود في "أرض المعركة"، لم تثبت مصداقيته على أي صعيد، برغم مرور شهرين. 
 
ثانياً، افتقاد الفلسطينيين مراكز صنع قرار، وافتقادهم الإطارات أو الهيئات التشريعية التمثيلية الجامعية، في ظل سيادة نمط القيادة الفردية، واستئثار جماعة ما أو طبقة سياسية ما بتقرير أحوال الشعب الفلسطيني، وخياراتهم السياسية، منذ نصف قرن. ولا شك بأن افتقاد الفلسطينيين إقليماً واحداً، وتشتتهم وتوزعهم على أكثر من بلد، وعلى نظم سياسية متفاوتة، يحد من قدرتهم على الإجماع، وعلى توليد بدائل جديدة، أو من توجيه الضغوط على قياداتهم.
 
ثالثاً، ثمة حوالي 24 كياناً سياسياً للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج (عدد الفلسطينيين 13 مليون نسمة في الداخل والخارج)، علماً أن معظمه لم تعد له هوية سياسية أو فكرية تميزه عن غيره، وأن معظمها لم يعد له وجود لا لجهة التمثيل في مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج، ولا في ميدان الصراع ضد إسرائيل.
 
إضافة إلى كل الاعتبارات السابقة، فإن التفكير بأي تغيير، أو بأي خيار سياسي فلسطيني، يجب أن يأخذ في اعتباره، أيضاً، أربع عقبات أو طبقات:
 
الأولى، تحوّل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة، تحت الاحتلال، لجزء من شعب على جزء من الأرض، في جزء من حقوق، وهي سلطة، تفرض سيطرتها على غالبية الفلسطينيين، وتتحكم بأحوالهم، وبمواردهم، وتقرر في مصيرهم، في ظروف غياب الإجماعات الوطنية والمؤسسات التمثيلية، التي تشارك في صنع القرارات، وصوغ الخيارات، وتعكس رأي غالبية المجتمع، مع فصائل أضحت جامدة ، ولم تعد تضيف شيئاً. 
 
الثانية، هيمنة طبقة سياسية معنية باستمرار الواقع، للدفاع عن مصالحها وامتيازاتها، لا سيما مع حال الترهل والتآكل والفساد في البنى السياسية الفلسطينية (في المنظمة والسلطة والفصائل)، فتلك الحالة تجعل من الصعب على تلك البنى حمل أي مهام نضالية، مهما كان مستواها، كما توسع من الفجوة بين الشعب وقياداته، وقد شهدنا ضعف الاستجابة لنداء ما يسمى "القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية"، في الخروج في تظاهرات يوم 15 أيلول (سبتمبر) الماضي، وكل ذلك بسبب تآكل مصداقية تلك الفصائل وضعف أهليتها الكفاحية.
 
الثالثة، واقع تشوش رؤية الفلسطينيين لكونهم شعباً واحداً، مع الانزياح من سردية النكبة (48) إلى رواية أن الصراع بدأ مع احتلال (67)، كأن إسرائيل استعمارية واستيطانية وعنصرية فقط منذ ذلك الوقت، وليس منذ إقامتها (1948)، ما نجم عنه نشوء أولويات وحاجات مختلفة لكل تجمع فلسطيني، فاقم من ذلك غياب مرجعية منظمة التحرير، وغياب هدف الإجماع الوطني الذي يفترض وحدانية الشعب والأرض والقضية. 
 
الرابعة، حال الارتهان الفلسطيني للخارج، في ظل اعتماد الحركة الوطنية الفلسطينية تاريخياً على الدعم الخارجي المالي، وعلى الاحتضان العربي والدولي، وهو أمر بات صعباً أو محدوداً في الظروف العربية والدولية الراهنة.
 
هذا الوضع الصّعب والمعقّد لا يمكّن الفلسطينيين من طرح إجابات ناجزة، أو مفتوحة، عن سؤال: ما العمل؟ الكبير والفضفاض والعمومي، بل يفرض عليهم مساءلة ذلك السؤال، أو تفكيكه مثلاً: ما الذي يمكن للقيادة الفلسطينية أن تفعله، وتستطيعه، في ظروفها ووفقاً لرؤاها، لأنها هي التي تملك الأدوات والآليات والموارد في المجالات المتاحة لها؟ أو ما الذي يجب على تلك القيادة أن تفعله، وتستطيعه، من منظور العمل لتجنيب شعبها وقضيته وحركته الوطنية المخاطر والتحديات الراهنة؟ ثم ما الذي يمكن للفلسطينيين، كشعب، أن يفعلوه، ويستطيعون فعله، في مختلف تجمعاتهم، ووفقاً لظروفهم وإمكانياتهم؟ 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم