دواعش القرشي ومعركة الاستنزاف... دليل الهزيمة!

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
خطاب "أبو حمزة القرشي" حمل دليلا قاطعا على هزيمة داعش. (تعبيرية)
خطاب "أبو حمزة القرشي" حمل دليلا قاطعا على هزيمة داعش. (تعبيرية)
A+ A-
بعد اختفاء دام نحو 5 أشهر كاملة، خرج المتحدث الرسمي لتنظيم "داعش"، أبو حمزة القرشي، برسالة صوتية، تحت عنوان "فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، تضمنت عدداً من الرسائل الكاشفة لأوضاع التنظيم ومآلته عبر خسائره الفادحة وسقوط أركان دولته المزعومة في كل من سوريا والعراق.
 
خطاب "أبو حمزة القرشي" حمل دليلاً قاطعاً على هزيمة "داعش" فكرياً وتراجع شعبيته وسط القطاعات الشبابية العريضة في مخلتف دول العالم، بعدما غازل الكثير منهم على مدار أكثر من 6 سنوات عبر منظومة إعلامية غُلفت منصاتها بالجرأة المتناهية في التعامل مع الداوئر المجتمعية العربية والغربية، والأنظمة السياسية التي وصفها بالطاغوتية الكفرية.
 
الرسالة الصوتية الأخيرة لـ"أبي حمزة القرشي"، جاءت كمحاولة لغسل سمعة التنظيم من الإنهيار والتراجع الحركي والتفكك التنظيمي، والتخبّط الفكري، لا سيما في ظل القيادة المسردبة الجديدة للتكفيري "أبو إبراهيم القرشي"، الذي تم تنصيبه عقب مقتل "أبو بكر البغدادي"، في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، فضلاً عن كونها خليطاً متسقاً من الدعوات التحريضية وإشعال وتيرة العنف المسلح ضد الأنظمة السياسية الحاكمة والانقلاب عليها، والتخطيط لاقتحام السجون، وتهريب أتباعهم، وتنفيذ أكبر قدر ممكن من العمليات الإرهابية ضد المصالح العربية والغربية، واستخدام تقنيات حرب العصابات، كنوع من رد الاعتبار، وصناعة البروباغندا الإعلامية، والخروج من حالة الفتور التنظيمي.
 
يعني ذلك أننا سنكون أمام وضعية جديدة خلال الفترة المقبلة، من تنفيذ سلسلة هجمات إرهابية متصلة ومتزامنة تستهدف دول المنطقة العربية التي ذكرها نصاً في متن خطابه، بعد استخدامه مصطلحات تحريضية لحرق المؤسسات الرسمية والسيادية والقائمين عليها، والمصانع والشركات وخطوط النفط والغاز الطبيعي، وارتكازاتها الأمنية، تحت مسمى "حروب الاستنزاف".
 
كلمات المتحدث الرسمي لداعش هي كاشفة لحالة الانشطار التنظيمي، ودخول الكيان الإرهابي في مسارات تجفيف دائرة الاستقطاب والتجنيد وضعفها، وعدم قدرته في ضم عناصر جديدة تؤمن بتوجهاته وضلالاته الفكرية المنحرفة التي اتخذت من أدبيات سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي،وأبو مصعب الزرقاوي، منطلقات لرؤيته الفكرية، ومن ثم حاول استفزاز أتباع تيارات الإسلام السياسي المتنوعة، لا سيما قطاعات السلفية السائلة الأقرب لتيار السلفية الجهادية، للالتحاق بركب صفوفه وإعادة تكويناته التنظيمية ومواصلة المواجهة المسلحة ضد خصومه، مرتكزاً على قاعدة "العدو القريب" وتعني استهداف الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية المحلية.
 
بدا واضحاً من خلال قراءة الخطاب الإعلامي لـ"أبي حمزة القرشي"، سعي التنظيم لإشعال الأوضاع الداخلية في المنطقة العربية، وتحويلها لمناطق صراع مسلح، عن طريق المشاعر الدينية ومغازلة المجتمعات العربية الكارهة للكيان الصهيوني، مستغلاً حالة الوئام بين بعض الدول العربية والكيان الإسرائيلي، لدفعهم للخروج على حكامهم واستهداف المصالح الإسرائيلية، بما يحقق له مساحة من الفوضى والحالة الأمنية الرخوة والانتقال لدائرة السقوط والتوحش، مثلما رسمت بدقة في كتاب "إدارة التوحش"، لأبي بكر ناجي. 
 
لم ينس أبو حمزة القرشي أن يتباهى بولايات التنظيم وبقايا فروعه في مجموعة من الدول العربية والأفريقية، كنوع من الاستعراض التنظيمي، إضفاءً لصورة ذهنية توحي بأن التنظيم تحت زعامة "أبو إبراهيم القرشي"، ما زال متماسكاً وقادراً على الانتشار والمواجهة ولديه العديد من الخلايا الكامنة، وخلايا التماسيح التي تأتمر بإشاراته، فضلاً عن الغرف المركزية التي تدير بقايا التنظيم وتمثل خطوط الإمداد والدعم المعلوماتي واللوجيستي.
 
فتنظيم داعش عقب مقتل زعيمه أبو بكر البغدادي خلال غارة نفذتها قوات النخبة الأميركية، بمساعدة الاستخبارات العراقية، وقوات سوريا الديموقراطية، وفق ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، تحوّل داخل سوريا والعراق، إلى مجموعة من الخلايا العنقودية، وفق استراتيجية "الذئاب المنفردة" والتعايش مع فكرة التكييف الكموني، ومحاولة التخفي في التضاريس الطبيعية الصعبة داخل المناطق الصحراوية على الحدود السورية العراقية والبقع الجغرافية القريبة، مكوّنين جيوباً جديدة، واتّباع سياسة "مركزية القيادة لا مركزية التنفيذ"، في ظل تقوية الفروع والولايات المنتشرة في أفريقيا وآسيا، وهو سيناريو أشبه بوضعية تنظيم القاعدة، الذي أصبحت فيه الفروع تمثل مركز قوة وثقل في مقابل ضعف القيادة المسردبة التي يمثلها أيمن الظواهري.
 
يتبع تنظيم "داعش" نحو (5) ولايات تمثل غرف عمليات أو مراكز قوة لإدارة الكيان الإرهابي، (4) منها تمثل فروعه داخل أفريقيا وآسيا، وواحدة معتمدة على فكرة "الذئاب المنفردة" والخلايا الكامنة، معنيّة باستهداف مصالح الدول الغربية داخل أوروبا.
 
ويأتي في مقدمتهم، الفليبين (ولاية شرق آسيا)، ويمتلك التنظيم فيها أربعة أذرع أبرزها جماعة "أبو سياف"، التي يعود تأسيسها لعام 1991، وبايعت "داعش" عام 2014، بقيادة إيسنيلون هابيلون المكنى بـ"أبو عبد الله الفلبيني"، وقتل في تشرين الأول (أكتوبر) 2017.
 
والذراع الثانية، هو تنظيم "ماوتي"، بقيادة عمر الخيام وعبد الله ماوتي، أو "دولة لاناو الإسلامية"، وهما من أبناء الأزهر الشريف بالقاهرة، وأُعلن عن التنظيم في أيار (مايو) 2015، شمالي جزيرة مينداناو الجنوبية.
 
الذراع الثالثة ل"داعش"، هي حركة "تحرير بانجسا مورو الإسلامية" ويعود تأسيسها لعام 2008، وبايعت "داعش" عام 2014، وفي عام 2014 ظهر كيان جديد موالٍ لتنظيم "داعش" يطلق على نفسه اسم "أنصار الخلافة"، وينشط في أقصى جنوب الفليبين.
 
بينما الغرفة الثانية، هي أفغانستان (ولاية خراسان)، وحظيت بالثّناء من "أبي حمزة القرشي"، في خطابه الأخير، وتعتبر من أهم غرف عمليات داعش، وواحداً من أقوى فروع التنظيم، لما يتمتع به من قدرة على الانتشار والتمدد، وأُعلن عنها في كانون الثاني (يناير) 2015. 
 
رغب "داعش" من خلال "ولاية خراسان"، بتشكيل كيان كبير يمتد من جمهوريات آسيا الوسطى وأفغانستان، إلى باكستان، والهند وبنغلادش، إضافة إلى إقليم خراسان الواقع في إيران، وقد اهتم "داعش" بالمنطقة الواقعة عل الحدود الأفغانية الباكستانية.
 
يأتي بعدها، غرفة مالي (ولاية غرب أفريقيا)، إذ سعى "داعش" للتموضع في جغرافيا سياسية جديدة تمكّنه من تنفيذ مخطط التخريب في الداخل الأفريقي، محاولاً التمركز في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية.
 
ويعود الوجود الداعشي في مالي إلى أيار (مايو) 2015 عندما أعلن أبو الوليد الصحراوي، القيادي بحركة التوحيد والجهاد، التي تحالفت في عام 2012 مع جماعة "الموقعون بالدم" تحت مسمى جماعة "المرابطون" وسيطرت على شمال مالي مطلع عام 2013، في تسجيل صوتي، مبايعته لزعيم تنظيم :داعش" أبو بكر البغدادي.
 
ولأن هذه الدول تعتبرها فرنسا جزءاً من إرثها الاستعماري في أفريقيا، اعتبر "داعش" القوات الفرنسية عدواً رئيسياً في حربه الدموية.
 
وهناك الكثير من الأسباب التي تمنح "داعش" وجوداً جغرافياً في منطقة مالي، منها حالة التناحر والانقسام بين التيارات والكيانات التكفيرية المسلحة، لا سيما الموالية لتنظيم "القاعدة"، إضافة للصراع القبلي بين قبائل الطوارق وقبائل أزواد المتمردة على الحكم في مالي، ما يجعلها فريسة سهلة الاستغلال، سواء من "داعش" أو "القاعدة".
 
كما أن مالي بيئة حاضنة لعدد كبير من الجماعات المتطرفة، إضافة لقربها من جماعة "بوكو حرام" الموالية لداعش والناشطة في محيط إقليمي كبير غرب أفريقيا، ويشمل دولاً عدة من بينها نيجيريا ومالي وتشاد. 
 
وتعد جماعة "بوكو حرام" الأقرب فكرياً وتكتيكياً لتنظيم "داعش"، كما تعتبر أخطر جماعات التطرف الديني في الغرب الأفريقي على الإطلاق، حيث تسيطر على نحو 20% من الأراضي النيجيرية.
 
وتعتبر الصومال (ولاية شرق أفريقيا)، هي الغرفة الرابعة، إذ ظهرت خلايا "داعش" في شرق أفريقيا، وتحديداً في الصومال في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، عندما أعلن العضو السابق في حركة الشباب عبد القادر مؤمن بيعته لداعش، وفي نيسان (أبريل) 2016 بايع البغدادي تجمعٌ يُطلِق على نفسه اسم الدولة الإسلامية في الصومال، كينيا، تنزانيا، وأوغندا، أو "جبهة شرق أفريقيا".
 
وينتشر فرع "داعش" في الصومال، في المناطق الجبلية الواقعة في ولاية بونتلاند، منذ عام 2015، وحاول أن يجد له موطئ قدم له في الصومال من خلال اجتذاب العناصر المنشقة عن حركة الشباب الإرهابية، استعداداً لمزيد من المعارك مع مقاتليها رغبة في إزاحتها تماماً من المشهد.
 
الغرفة الخامسة تمثل وجود التنظيم داخل أوروبا، إذ كُشف عام 2019، عن قرص صلب يحتوي على وثائق تقدّم بالتفصيل مقترحات ما يسمى بـ"مكتب العلاقات الخارجية لإدارة عمليات تنظيم الدولة في أوروبا"، ومن بين الخطط التي عُثر عليها قيادات بعض الخلايا التي تدير غرفة العمليات، من خلال الدواعش العائدين إلى مواطنهم في الدول الغربية، لتجهيز خلايا نائمة عبر تجنيد أكبر عدد ممكن من الانتحاريين والانغماسيين.
 
كان مرجحاً إنشاء غرفة عمليات خاصة لداعش داخل سيناء شمال شرق الدولة المصرية، لكن قوة الجيش المصري، وسيطرته على التراب السيناوي حال دون ذلك وإفشال مخطط أن تكون سيناء نقطة انطلاق لتنفيذ عمليات ضد دول الجوار المصري.
 
 
 
*باحث في شوؤن الجماعات الإرهابية
 
الكلمات الدالة