إعلان

خلاص لبنان... بين الجحيم والمطْهَر

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
من المظاهرات المناهضة للفساد في لبنان
من المظاهرات المناهضة للفساد في لبنان
A+ A-

"إلى جهنم"... عبارة أتحف بها ميشال عون "شعب لبنان العظيم" في إطلالته الأخيرة، لخصّت وضع لبنان المأزوم ووضع شعبه الذي لا يزال ينتظر نجاح مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والاعلان عن تشكيل حكومة إنقاذ برئاسة مصطفى أديب.

 

فالجحيم، وبأسفل طبقاته، قد يكون أفضل بأشواط كبيرة من الوضع السياسي والمعيشي القائم حالياً. والذهاب الى الجحيم في هذه المرحلة بالذات هو عملياً ارتقاء للدَرك والسفالة اللذين وصل إليهما لبنان بسبب سيطرة الفساد والسلاح على كل مظاهر الحياة. والأسوأ من كل ذلك هو رهان الشعب اللبناني على امتلاك زعمائه وأمراء طوائفه الحلّ السحري وإيمانهم بأن خلاصهم الاقتصادي سيأتي على جناح فرنسي وتسوية إقليمية تلوح في الأفق.

 

عند كل تحدٍ لمفهوم الدولة ولفكرة لبنان يتراجع الشعب اللبناني أمام السلاح غير الشرعي وتهديدات الطبقة الحاكمة بما يشبه "جهنم". فالمواطن اللبناني المرهق منذ الأزل يسارع إلى تبرير هذا التشبيح السياسي ويتبنى السردية التي تحول الأفعال السياسية المشينة إلى حق طائفي مكتسب لحزب أو طائفة، تحت قناعة بأن هذا "الشبيح" أو هؤلاء "الشبيحة" قد يكتفون بما اغتنموه ويعودون إلى رشدهم.

 

الجدل القائم في موضوع تشكيل الحكومة اللبنانية ومطالبة الثنائي الشيعي بحقيبة المال هو خير دليل على ذلك، حيث يرضى اللبناني بل يُقنع نفسه بأن المسألة قد تحل في حال تنازل أحدهم للآخر، وبأن السلاح الإيراني هو امر واقع، وعلى اللبنانيين التزام الصمت أمام هذا الطاغوت المتحالف مع رموز الفساد. فالمسألة ليست محصورة بحقيبة أو حكومة أو رزمة إصلاحات ضريبية ومالية بل تطال أيضاً تنظيماً مسلحاً تأمره إيران ويقود مشروعها على شاطىء المتوسط بترسانة صواريخ قد تكون الأخطر لامتثالها لعقيدة جهادية تروج للقتل والدمار كطريقة حياة.

 

وأمام هذه المعضلة يتساءل كثيرون إن كان الحل النهائي يكمن في حمل الشعب اللبناني السلاح بوجه هذه الميليشيا أو في انفصاله عن"دولة" حزب الله. والحل ليس بهذا أو ذاك، بل بانخراط الشعب اللبناني في مقاومة سياسية شرسة لمواجهة هذا المشروع وعدم الرضوخ إلى المنطق السائد بأن الاحتلال الإيراني للبنان هو أمر واقع. على الشعب اللبناني أو وما تبقى منه، مِمَّن لا يملك خيار الهجرة أو ربما يرفض الرحيل عن وطنه، أن يحذو حذو الشعب العراقي وتجربة الكاظمي الذي أثبت أن الدولة العراقية مهما ضعفت فهي لا تزال قادرة على مقاومة الهيمنة الإيرانية، وأن القوى الشرعية التابعة للدولة العراقية كقامة رئيس جهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي قادرة على إعادة ثقة المواطن بدولته. وهنا، قد تكمن المشكلة الأساسية بإقناع قسم من الشعب اللبناني المتغطرس بإمكانية التعلّم من تجربة "غير غربية" كتجربة العراق بدلاً من الرهان الخاسر على فرنسا وإيمانويل ماكرون.

 

فالاستشهاد بالكاظمي في حالة لبنان ليس لشخصه، بل لتسجيل موقف صارخ أمام المجتمع الدولي والأشقاء العرب بأن لبنان أيضا وطن يستحق الإنقاذ، وبأن شعبه أيضا رافض لتحول مرافقه العامة وبلداته وأحيائه السكنية إلى ثكنات عسكرية ومستودعات إيرانية لتخزين المتفجرات وأدوات القتل. والانفجار الذي وقع في قرية عين قانا في الجنوب اللبناني وقبله القنبلة النووية التي فجرت مرفأ بيروت ودمرت العاصمة اللبنانية وقتلت أهلها يجب أن يكونا كافيين لإقناع اللبنانيين بأن طريقهم إلى الخلاص يمر بالمَطهَر- وهو بحسب المعتقد الكاثوليكي المكان الذي تذهب إليه الروح حيث تُطهر بالنار  لتصبح أهلاً لدخول الجنة- حيث لديهم الخيار إما أن يكفروا عن خطاياهم وذنوبهم ودعمهم للنظام الزبائني العنصري اللبناني أو ان يستحقوا دخول نار الجحيم متراصين خلف رئيسهم القوي.

 

لا شك في أن الجحيم اللبناني آت لا محالة، بل إنه يتوجب على الشعب اللبناني تسريع موعد قدومه  وحجز جناح كبير نسبياً في أسفل طبقات النار لمن شارك في قتل الشعب اللبناني وهجّر وذبح أطفال سوريا وأوصل لبنان عبر فساده وجنونه إلى القعر ليُحرقوا فيه هم والشيطان الأكبر الذين باعوا أنفسهم له وكل امرىء راهن ويراهن على أوهام الإصلاح والخلاص في ظل السلاح غير الشرعي.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم