إعلان

بيروت 6:07 رماد حي

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
انفجار مرفأ بيروت
انفجار مرفأ بيروت
A+ A-
من الصعب تصفّح "بيروت 6:07 رماد حي"، الكتاب الذي يوثق ويؤرخ إحدى أكبر النكبات التي حلت بالعاصمة بيروت وبالشعب اللبناني منذ زلزلال عام 551 م، من دون الشعور بالقشعريرة والحزن الممزوج بالغضب.
 
فهذا الكتاب هو باكورة مجهود قامت به "مبادرة العدالة الاقتصادية والاجتماعية"... "معاً" لتوثيق قصص كل ضحايا كارثة مرفأ بيروت بهدف الدفع نحو المطالبة بمعرفة حقيقة الانفجار وكشف هوية الذين سمحوا بتخزين آلاف الأطنان من المواد القاتلة التي بلغت قوة انفجارها عُشر قنبلة هيروشيما النووية. فمعرفة الحقيقة، وفق مبادرة "معاً"، هي حجر الأساس نحو تطبيق العدالة والمحاسبة القانونية والمعنوية والتعويض المادي والمعنوي عن جريمة القرن.
 
للوهلة الأولى يبدو كتاب "رماد حي" مجرد عمل تقليدي يتلو المآسي ليذوب في الخلفية على غرار العديد من الأعمال التي سبقته مستخدمة الذاكرة كسلاح من أجل العدالة الانتقالية والنهوض بمشروع جديد لهذا الكيان اللبناني الذي فشل مراراً وتكراراً في الاستفادة من جولات القتل والدمار. لكن بعد التمعن بالكتاب، نجد أن سرد قصص 214 ضحية من ضحايا انفجار مرفأ بيروت ليس بالموضوع السهل لا سيما على الصعيد النفسي، علماً أن هناك قصصاً عدة لضحايا تُركت من دون صور كون عائلاتهم لا يزالون في حالة من الحزن العميق. كما نجد أن العمل الاستقصائي لمجموعة من الباحثين أرست أسماء الضحايا ووجوه معظمهم كمضبطة اتهامية لطبقة سياسية مجرمة لم تكتفِ بقتل البشر وتدمير الحجر، بل حاولت ولا تزال تمرير الجريمة على أنها تقصير من قبل حفنة من البيروقراطيين والضباط.
 
العدالة الانتقالية هي مفهوم من المفاهيم التي لا تزال يافعة في مجتمعاتنا العربية رغم المحاولات الحثيثة لجعله عصب الثقافة المناضلة لبناء بلد حديث. أما في لبنان، فقد بقي هذا المفهوم غائباً ليُصّوب النضال فقط في اتجاه الإصلاح الاقتصادي مع تجاهل أو ربما تفادي مواجهة الوحش الحقيقي الذي تمكّن عبر السنين وبمساعدة سلاح الفساد من تحويل هذا الكيان إلى عبء على البشرية.
 
والعدالة الانتقالية لا تبدو اليوم على لائحة اهتمامات المواطنين اللبنانيين المنتظرين في طوابير الذل من أجل ملء خزاناتهم بالوقود المدعوم أصلاً من الأموال التي سرقها لصوص المصارف بالتواطؤ والتكافل مع أمراء الطوائف.
 
وفي حين يوثق الكتاب لجريمة انفجار مرفأ بيروت، فإن الأفكار الإنسانية التي "تحرض" عليها مبادرة "معاً" تتجاوز لبنان كما هو واضح في تقديم الكتاب من قبل السيد أوبدا كوجي أمين سر جمعية طوكيو للناجين من القنبلة الذرية وأحد الناجين من انفجار هيروشيما الذي كان في عمر الثلاث سنوات عندما تعرض للإشعاعات النووية التي تسببت بإصابته بسرطان المعدة والمثانة. كوجي لم يزر لبنان من قبل لكنه يشدد في مقدمته على الواجب الإنساني المشترك في فهم أن السلام هو السبيل الوحيد نحو التنمية البشرية والازدهار.
 
كلمات كوجي هي خريطة طريق الشعب اللبناني نحو النجاة من الموت المحتّم الذي سينتج عن انفجار نووي آخر قد يقع إما بسبب فقدان الدواء والوقود أو انهيار الأمن الاجتماعي والنظام الصحي اللذين سقطا فعلاً في أولى لحظات انفجار مرفأ بيروت، في تمام الساعة 6:07 من يوم 4 آب (أغسطس) 2021، حين امتنع الشعب اللبناني عن تعليق المشانق لطبقته السياسية المجرمة والفاسدة.
 
كتاب "رماد حي" ليس قصة تاريخ مؤلم مرّ به اللبنانيون، بل هو كتاب يحكي بين سطوره مستقبل لبنان، مسجلاً فصولاً لم تكتب بعد لمآسي شعب يرفض أن يواجه الحقيقة ويتفق ليس على ماضيه فقط، بل على مستقبله أولاً وأخيراً.
 
كتاب "بيروت رماد حي" لا يحكي قصة 214 ضحية في كارثة مرفأ بيروت فحسب، بل رواية كل لبناني يرفض تبنّي مقولة إن "العدالة ولو سقطت السماوات" هي جسر عبور لبنان إلى بلد خالٍ من النيترات ومن الفساد القاتل.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم