إعلان

معضلة "القوم الأكثري" في بلاد الشام والعراق

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
شعار الثورة السورية في بدايتها
شعار الثورة السورية في بدايتها
A+ A-
لا أحد يريد الحرب في الإقليم، اذ تدخل لعبة النزيف المزمن المتبادل التي اتقنتها الدول الإقليمية الى حقبة جديدة من الانضباط. المساعي الدبلوماسية الحثيثة بين الأطراف المتصارعة في الإقليم في رعاية أميركية تسير هذه المرة في شكل حثيث ومتسارع.
 
وتتسارع المفاوضات الروسية - التركية لرسم حدود النفوذ في سوريا، ويبدو أن المفاوضات لا تزال قادرة على ضبط الصراع بين روسيا والنظام من جهة، وبين تركيا في الشمال السوري من جهة أخرى، ناهيك بالوضع في شرق الفرات.
 
لكن في ما يخص إيران، لا يبدو أن روسيا تمتلك الروافع اللازمة من أجل رسم وضبط سلوكها في سوريا ولا في لبنان بالطبع. لقد سرّع تصاعد التوتر مؤخراً الجهود الدبلوماسية الأميركية للعمل على تفعيل روافعها وضغوطها تجاه كل من إيران وإسرائيل بهدف سبر إمكان تخفيض المخاطر والتوصل لصفقة استراتيجية تسمح بإقصاء مخاطر المجابهة. فعلى افتراض استعداد إيران أن تبقي مشاريعها النووية العسكرية على الرف، تبقى المخاطر الإقليمية للصواريخ هي الخطر الأساسي.
 
ما يقلق الاستراتيجيين الإسرائيليين هو ذلك التصرف غير المسؤول الذي قامت به إيران بتزويد ميليشياتها بالصواريخ الدقيقة والصواريخ الباليستية. ارتكبت إيران خطأ استراتيجياً جوهرياً في هذا السياق من خلال رفع عتبة التهديد لإسرائيل الى حد اقتراب المنطقة من حالة الحرب على أمل رفع السقف التفاوضي لإيران مع إسرائيل من خلال "إخافة" الدولة العبرية.
 
وإذا كانت إسرائيل تبدو هازئة وغير معنية بمحطات التلفزيون التابعة لإيران والتي تمعن في شيطنتها وتكيل لها الشتائم ليل نهار، وإذا كانت آلاف بنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الـ"آر بي جي" والأعلام الصفر على حدودها، فإن كل هذه الترهات لا تثير قلقاً استراتيجياً لديها، اذ إنها لا تعدو أن تكون هماً امنياً طفيفاً وطرياً هو في أسوأ أحواله أقل بكثير من خطورة الجريمة الروسية المنظمة في القدس وتل ابيب. والآن تظهر إيران مرونة حقيقية في التنازل عن هذه الصواريخ الدقيقة والباليستية.
 
وفي حين لا تزال السلطات الإيرانية مصرة على الاستمرار في اشتقاق شرعيتها الثورية الداخلية والإقليمية من خلال مشاعر العداء لإسرائيل، لا تبدو إسرائيل ولا الولايات المتحدة مستعدتين لاتفاقات تكتيكية يمكن قلبها بين عشية وضحاها. ذلك أن إعادة رسم ملامح السلام الإقليمي تتطلب تبديل الاستراتيجيات الدفاعية وإعادة تعريف النظام السياسي المدني في كل من سوريا ولبنان والعراق. وفي كل من هذه البلدان تحاول الولايات المتحدة أن تكون لها كلمتها في تحديد نمط البنية السياسية المقبلة للدول والإقليم.
 
لكن هذا الاستعصاء التفاوضي طويل الأمد لا ينفي احتمال التوصل إلى اتفاقات موقتة. ومصيبة شرقنا أن الموقت فيه غالباً ما يدوم لعقود وعقود. وفي هذا السياق بدأت ترتسم الخطوط الاستراتيجية الحمراء من خلال هذ المفاوضات سواء بالنسبة إلى تركيا أو لإيران ولنفوذ هاتين الدولتين في الإقليم.
 
الغائب الحاضر في مجمل هذه التقسيمات هو القوم الأكثري في بلاد الشام. وسواء تعلق الأمر بالعراق أو سوريا او لبنان لا يزال هذا القوم الأكثري غائباً عن رسم دوره. إنه ينتفض، يملأ الساحات والميادين ولكنه لا يزال يفتقد نخبته وزعامته السياسية الشابة وبرنامجه السياسي الوطني الجامع.
 
لا أقصد هنا بالقوم الأكثري، مجموع القوم من العرب السنّة في الإقليم، ولا أقصد بالقوم الأكثري التيارات الأيديولوجية التي تمعن في زرع أوهام المجد التليد والفجر الموعود للمنتصرين لعصبية طائفية فوق وطنية. هذا القوم يشمل كل الطوائف من مسيحيين موارنة وأرثوذوكس وسنة وشيعة وعلويين ودروز الخ... في مدن وبلدات بلاد الشام.
 
هؤلاء هم التجار والحرفيون والموظفون، هم الطبقة المتوسطة التي عمّرت والتي لا عمار من دونها. وهم الذين أسسوا لقيم التعايش والبراغماتية في مرحلة تاريخية شهدت أجمل أشكال العلاقات بين المكونات في الإقليم. إنهم يتمثلون بتلك الكتلة السكانية التي لا تزال ترى نفسها بالتعريف خارج السياسة، بل لعل حجتي في هذه المقالة هي أن المصيبة الكبرى لهذه الكتلة السكانية تكمن في هربها الدائم من السياسة. هذا القوم بكل مقوماته متوافق على الهروب الدائم والتخلي عن دوره في الحكم القانون وإنفاده. وحين حكموا سارعوا إلى التخلي. إنهم مدنيون مسالمون يسعون الى رزقهم صباح كل يوم، ولكنهم غير مستعدين للقتال. "وكل من تزوج أمي يصبح عمي".
 
فلطالما أوكل هذا القوم الأكثري المدني أمر الحكم لقبائل مهاجرة أو ميليشيات شبه عسكرية لمواجهة المخاطر الخارجية ومن أجل ضبط السلم الأهلي في الداخل. هكذا كان الحال إبان الحروب الصليبية وبعدها مع المماليك والسلاجقة والشراكسة وإبان الحكم العثماني، الخ...
 
بعد الاستقلال لم يخرج هذا القوم الأكثري عن هروبه من مسؤولية السيادة والسياسة والعسكرة والأمن. اذ تجلى العقد الاجتماعي في كل هذه البلدان بعد الاستقلال، بتوافقات بين هذا القوم الأكثري المتعدد الأعراق والطوائف من جهة وبين بلطجي عسكري ما ليضبط مجموع المجتمع وتناقضاته.
 
وسواء ركب هذا الحليف البلطجي على مشروع فوق وطني، قومياً كان أو إسلامياً او على مشروع طائفي، كان هذا القوم الأكثري يسير بالعقد الاجتماعي معه أملاً في أهون الشرور. فللعسكر الحكم والسلطة وللقوم الأكثري المال.
 
نستطيع أن نستكشف مسارات متشابهة من النمط ذاته في تقسيم العمل التعاقدي القوم الأكثري والبلطجية في شكل مدهش في كل من العراق وسوريا ولبنان. هذا القوم الأكثري هو الغائب الحاضر في كل أزمة ومنعطف. لكن غياب أفقه السياسي الآن هو جوهر الاستعصاء المجتمعي في بلاد الشام.
 
انا لا أقارن سوريا ولبنان والعراق بسويسرا ولا أشابه بين نخبنا وبين النخب البريطانية أو الفرنسية او حتى الأميركية التي تمثل كتل رجال الأعمال والتي تقف وراء الحراك والصراع السياسي في تلك البلاد. أنا أتحدث مباشرة عن المقارنة عن دور نمور الأناضول في صعود وهبوط تانسو تشيلر في تركيا ومن ثم صعود وربما هبوط أردوغان. أتحدث عن البازار في طهران وتبريز.
 
وإذ تتداعي أعمدة الدولة العقائدية بفضل الترتيبات والمفاوضات الجارية بين القوى الإقليمية تبقى المنطقة رهينة هذه الصفقات بكل ما تحمله من إبقاء الجمر تحت التراب ومن إدمان حالة الفشل والتفكك والتفسخ في البلاد.
 
وإذا كان العالم يمضي قدماً في تبريد الوضع في هذا الإقليم الذي تحول الى ثقب أسود، يصبح نمط الدولة المقبلة في الإقليم جوهر الصراع. ذلك أن ثمة نجوماً عديدة يجب أن تصطف في الإقليم كي تستعيد السلم الأهلي والسلام الإقليمي. وعلى افتراض أن النجوم الدولية الإقليمية تمكنت من الاصطفاف في شكل مناسب، فكيف ستصطف النجوم الداخلية للدولة الوطنية في بلاد الشام.
 
في حال استمرار بقاء القوم الأكثري خارج السياسة، فإن الحل السهل بالنسبة إلى القوى الخارجية أن يكلف مستبداً عسكرياً وأمنياً جديداً ليضبط تناقضات المشاريع الطائفية والعقائدية في البلاد ويضمن حداً أدنى من السلم الأهلي على جمر تحت التراب.
 
القوم الأكثري بتوافقاته هو وحده القادر على التأسيس لمواطنة مدنية وعلى انتزاع دوره الوطني السياسي والأمني. انه وحده الذي يستطيع أن يغير مسار الأبدي في هذا النمط المتفسخ من "الاستبداد الآسيوي".
 
هذا القوم الأكثري الوطني، هو قوم فوق طائفي، وهو صاحب المصلحة الأولى والأخيرة في إحياء المواطنة اللاطائفية والتأسيس لعلمانية بمعنى فصل الدين عن الحكم من دون أن ينقصها شيء من القيم الدينية والروحية للتدين الشرق الأوسطي. من دون دور سياسي قيادي جامع لهذا القوم الأكثري لا مواطنة ممكنة ولا وطناً. وإذا اتفق الأغراب في غيابه سيعود الاستبداد بأشكاله المختلفة وإن لم يتفقوا يستمر الوطن في التفكك إلى ما شاء الله.
 
التوافقات الإقليمية على مصير الإقليم تسير في شكل متسارع، فهل نستطيع أن نعيد انتاج التحضر، المدنية التي وسمت بلاد الشام والعراق، ليس في عصور الانحطاط، بل في عصر ازدهار محتمل؟ ثمة بوادر مبشرة في العراق ولبنان، أما في سوريا، فهي مأخوذة كرهينة لأمراء الحرب. فهل تستتّب ظاهرة بزوغ مشروع المواطنة الوطنية في الإقليم؟
 
القوى الإقليمية المتدخلة في بلاد الشام تقول إن هذا القوم الأكثري لم يكن يوماً قادراً على تحقيق سلم أهلي بين مكوناته، وأنه لم يعش سلاماً داخلياً إلا حين كان تحت وصاية إحدى دول الإقليم. فهل صحيح اننا غير جديرين بحكم أنفسنا؟ وهل صحيح أن لا سبيل لتحقيق السلم الأهلي إلا تحت الوصاية، وهل صحيح أن العصبيات التي طالما فرّقتنا تجعل منا قوماً لا يتأدب إلا بالاحتلال؟ أظن أن علينا أن نجيب عن هذه الأسئلة الآن.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم