إعلان

القهوة الفورية... وسارقو اللقاح

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
مركز للقاح ضد كورونا
مركز للقاح ضد كورونا
A+ A-
في الفلسفة الخلدونية، عديدة هي أسباب سقوط الدولة، لكن أبرزها قد يكمن في الظلم وانعدام تحمل المسؤولية الفردية وسوء اختيار الساسة والتقاعس في مواجهة التحديات. ولو تسنى للمفكر إبن خلدون أن يراقب المجتمع اللبناني ودولته البائسة المهرولة نحو السقوط التام، لأضاف على العوامل التي ذكرت هوس الشعب السخيف في الحصول على القهوة الفورية وتخزينها بعد أن فُقدت من الأسواق على غرار العديد من السلع الأساسية والأدوية، نتيجة سيطرة سلاح اللادولة على الدولة وتحول الفساد إلى دستور أعلى للبلاد.
 
والقهوة الفورية التي تحتوي عادة على الكافيين وهي مادة أساسية يلجأ اليها البعض صباحاً لاستمداد طاقةِ ما قبل العمل أو يرتشفونها لدى تمضية الوقت مع الأصدقاء. وهذه المادة المفقودة ما فتئ أحفاد الفينيقيين والقبائل العربية النبيلة واللاجئون من اضطهاد الطغاة يتلهون بها عبر التوسّل إلى اقربائهم في الاغتراب بإرسالها إليهم في أول طائرة متجهة إلى بيروت، ومعها ما تيسر من دولارات أصبح الحصول عليها صعباً بعد سيطرة العصابات الحاكمة على المصارف والسوق السوداء معاً. وفي ظل الانهيار التام للنظام اللبناني واقتراب شبح المجاعة بصورتها الفنزويلية لا يزال قسم كبير من الشعب اللبناني يتفادى المواجهة الحقيقية مع الطغمة المالية الحاكمة بقوة سلاح "حزب الله" بل يبحثون عن حلول سحرية ومعجزات إلهية.
 
خلال الأسبوع المنصرم امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بدعوات لعودة القهوة الفورية الى الأسواق وبتعليقات ساخرة حول فقدانها ربما أثلجت قلوب البعض. لكن لدى التعمق في الموضوع وفلسفة حماقة الموقف، يتبين أن الأزمة اللبنانية لا تقتصر على غياب ضمير الزعماء وأمراء الحرب فحسب بل هي نتيجة صمت اللبنانيين عن تحمل المسؤولية الفردية وسوء استخدام النظام الزبائني الذي حوّل لبنان إلى بؤرة منسية من قبل الأشقاء العرب والدول الغربية بعدما سيطرت عليه إيران عبر ميليشياتها المحلية المتحالفة مع حفنة من الفاسدين.
 
المخزي في البحث عن القهوة الفورية ليس فقط سخافة المشهد، بل غلبة العقلية المقتنعة أن أنصاف الحلول هي كافية لتقطيع الأزمة الحالية، وأن لبنان، كما كان على مرّ التاريخ، قادرٌ على النهوض مجدداً كطائر الفينيق وأن الشعب اللبناني أقوى وأعظم من أن يُنسى من قبل أصدقائه وأبنائه المنتشرين في أصقاع الأرض. وشعور العظمة المتعجرف هذا قد يكون هو مَن أودى بلبنان إلى القعر وسيبقيه هناك إلى أن يقتنع هؤلاء "العظماء" أن الأزمة الحالية ليست حلم يقظة أو كابوساً قد ينتهي مع ارتشاف قهوة الصباح.
 
بالأمس خرق عدد من نواب الأمة اللبنانية ومشرّعيها وفي شكل إجرامي وقح نظام التلقيح المعتمد من قبل وزارة الصحة عبر سرقة اللقاح رغم أن سنَّهم ووضعهم الصحي لا يسمحان لهم بالحصول عليه باكراً. وفي جرمهم هذا استهزاء بالشعب اللبناني بأسره وبالبنك الدولي الذي تعهد بدوره كممول للعملية بضمان حصول اللبنانيين على اللقاح بعدل وشفافية استناداً إلى معايير صحية وعلمية غير قابلة للتلاعب. ولم تقتصر وقاحة هؤلاء النواب على سرقة اللقاح من مستحقيه، بل امتدت الى مهاجمة منتقديهم وتبرير جرمهم مدّعين أن الهجوم عليهم هو محض افتراء.
 
ليس بالقهوة "الفورية" يحيا الإنسان، والهوس بالحصول على الكافيين ومواد أخرى، وإن كانت أساسية للبعض، يجب أن يحوّل باتجاه اقتلاع "المتسببين بفقدانها" و"سارقي اللقاح" مع التوصل إلى قناعة مطلقة أن اقتصاد "الشنطة" (الحقيبة) والدولارات الطائرة لا تصنع بلداً، بل تساهم في الإبقاء على لبنان تحت شبح اقتصاد الجريمة المنظمة، والتي جعلت من انفجار المرفأ وتدمير مدينة بيروت واغتيال الأحرار، فنجاناً من الموت والدماء لا يستحق أي لبناني، حتى الطبقة السياسية المجرمة، ارتشافه.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم