إعلان

من قتل جو بجاني؟

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
جو بجاني
جو بجاني
A+ A-
لولا تدخّل يد الغدر، كان صباح الإثنين الماضي يوماً عادياً لجو بجاني، ابن بلدة الكحالة الواقعة في جبل لبنان الجنوبي، يصطحب خلاله أولاده إلى المدرسة ليكمل نهاره في التصوير.
 
آخر ما كان يتوقعه بجاني أن يكمن له اثنان من القتلة في موقف السيارات العائد لمنزله، ويبادراه بثلاث طلقات من مسدس مزود بكاتم للصوت أنهت حياته على بعد خطوات قليلة فقط من أولاده الذين اكتشفوا لاحقاً سقوط والدهم جثة مضرجة بالدماء. 
 
جريمة اغتيال بجاني ليست الأولى من نوعها في لبنان ولن تكون الأخيرة طبعاً، لكنها أتت لتذكّر المشعوذين كافة، من الساسة اللبنانيين والغربيين وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الأزمة اللبنانية نابعة من سوء إدارة وفساد اقتصادي وليس فقط من سيطرة السلاح غير الشرعي المتحالف مع الطغمة الحاكمة. فتصفية جو بجاني عابرة للحدود وتشبه كثيراً عملية اغتيال المفكر والباحث العراقي هشام الهاشمي الذي دفع ثمن رفضه للحشود الشعبية والشعبوية.
 
جو بجاني المنتمي إلى حزب القوات اللبنانية والناشط الطالبي في خلية الجامعة اليسوعية، لم يتبوأ يوماً مسؤوليات عالية في حزبه، لكنه كان واحداً من العديد من أبناء جيله الذين ناضلوا من أجل لبنان أفضل وبلد يستطيع أولاده أن ينشأوا فيه من دون أن تقتلهم رصاصة غدر أو انفجار كانفجار مرفأ بيروت. بجاني الذي حوّل هواية تصوير الآليات والمواقع العسكرية إلى مهنة لفترات متقطعة في مديرية التوجيه في الجيش اللبناني، يُعتقد أنه كان من المصورين الذين وثّقوا انفجار مرفأ بيروت ضمن التحقيق المحلي والدولي، ما جعل منه هدفاً للقتل.
 
حتى الآن لا تزال هوية قتلة بجاني مجهولة، لكن براهين وتساؤلات عدة تقود إلى سلسلة من الاستنتاجات الواضحة والمخيفة. فقتلة جو كما يُظهر تسجيل الفيديو الذي تم تداوله عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي هم من "المحترفين"، وعملية رصده وتنفيذ الجريمة تبدو من تخطيط مجموعة أكبر بكثير من القاتلين الاثنين اللذين ظهرا على الشاشة. والسفاح الذي أطلق النار بأعصاب باردة تراجع خطوتين إلى الوراء فاتحاً الطريق لزميله الذي بادر إلى تفتيش بجاني والعبث بسيارته بحثاً عن هاتف أو أي جهاز لتخزين المعلومات قبل أن يتواريا في حقل محازٍ لبيت بجاني حيث كانت تنتظرهم سيارة الفرار.
 
الاثنان من القتلة لم يتكبدا عناء ارتداء القفازات ليخفيا بصماتهما كونهما يعرفان أنهما فوق القانون، بل إنه حتى لو تمكنت "الدولة" اللبنانية من كشف خيوط جريمتهما، فليس هناك من جهاز قادر على تنفيذ حكم القضاء ووضع الأصفاد في أيدي المجرمَين وأسيادهما كما هي الحال في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والجرائم التي تلتها.
 
ومن هنا تطرح تساؤلات عدة حول هوية مَن لديه هذه القدرة والخبرة العملانية للتخطيط لعملية اغتيال وتنفيذها بهذه الدرجة من الاحترافية والإجرام في بيئة مسيحية صرف، يحتاج فيها رصد بجاني وتعقبه لتدريب عالٍ وقدرات مادية هائلة. وهل من مصادفة أن يُقتل بجاني في الظروف الغامضة نفسها التي رافقت اغتيال العقيد المتقاعد في الجمارك منير أبو رجيلي - رئيس مكافحة التهريب في مرفأ بيروت - الشهر الفائت، وجريمة اغتيال العقيد المتقاعد جوزف سكاف - رئاسة شعبة البحث عن التهريب - عام 2017 وهو الذي طالب رسمياً بإزالة نيترات الأمونيوم من مرفأ بيروت؟ وكذلك حول مصير موظف مطار بيروت المهندس جوزف صادر الذي خُطف من مكان عمله في 12 شباط (فبراير) 2009 ولا يزال مختفياً حتى يومنا هذا.
 
عدسة جو بجاني ابن السبعة والثلاثين ربيعاً قد تكون السبب الحقيقي وراء إنهاء حياته نتيجة توثيقه صوراً لأشياء أو أشخاص لا يفترض وجودهم في مرفأ بيروت أو في أماكن زارها جو على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.
 
المقلق في عمليات الاغتيال والكوارث الأمنية هو أن الدولة اللبنانية عبر تسريبات لها تحذّر المواطنين من موجة الاغتيالات على غرار ما حصل مؤخراً بُعيد اجتماع مجلس الأمن المركزي، لكنها تمتنع في الوقت عينه عن اتخاذ إجراءات وقائية أو حتى ملاحقة المجرمين. فإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية حياة اللبنانيين وحريتهم وأموالهم، فما دور تلك الطبقة الحاكمة بالضبط؟
 
دماء جو بجاني لم تسقط على أيدي قتلته فقط، بل على يد كل لبناني لا يزال يعتقد أن المواجهة مع قتلة الشعب اللبناني يمكن تفاديها.
 
فجو الذي تسلّم أوراق الهجرة إلى كندا الأسبوع الفائت كان يستعد للهروب من الكابوس اللبناني والبحث عن حياة أفضل بعيداً من القتل والفساد، لكن هذه الأوراق التي كانت في سيارته بدل أن تُمهر ببصمات حلمه تلطخت بدمائه الزّكية. الهروب من الموت اللبناني ليس خياراً، والجوع والفقر ليسا خياراً أيضاً، بل هو واقع آت لا محال.
 
أما الخيار الوحيد الباقي، فهو الاعتراف بأن المخرج الوحيد لعودة لبنان إلى طبيعته هو باستعادة الشرعية والسيادة الكاملة من جماعة "كاتم الصوت".
 
الله يرحمك يا زوزو....
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم