إعلان

بوتين يحقّق "حلم القياصرة"... قاعدة روسيّة في السّودان على البحر الأحمر

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
قوات بحرية روسية
قوات بحرية روسية
A+ A-
بعد خمول طويل، انخرطت روسيا في السباق العالمي للتزاحم على أفريقيا، بإصدار الرئيس فلاديمير بوتين مرسوماً لإنشاء قاعدة عسكرية في السودان على شاطئ البحر الأحمر، ليتحقق أخيراً حلم القيصر ألكسييفيتش رومانوف، قبل قرنين، بالتوسع إلى المياه الدافئة. مغامرة روسية تندرج في إطار "عسكرة السياسة الخارجية"، خلال السنوات الأخيرة، في القوقاز والقرم وسوريا وليبيا؛ لكن مساعي موسكو قد تؤجج الصراعات في إقليم مشتعل أصلاً، فما سر إعلان الخطوة الروسية الآن؟ ولماذا يتخلى السودان عن نهجه منذ الاستقلال برفض القواعد الأجنبية على أراضيه؟ وما موقف القوى الإقليمية والدولية بإزاء وضع روسيا "قدماً ثقيلة" في تلك المنطقة الحيوية للعالم؟!
 
 
ظل الوصول إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي "حلماً" يداعب قياصرة روسيا، طوال مئتي عام، لكن القوى الدولية المنافسة، لا سيما بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، جعلت الحلم عصياً على التحقق، وظلت معه روسيا القيصرية - ثم السوفياتية - "قوة بر" لا "قوة بحر"، أي "إمبراطورية عرجاء" تسير على قدم واحدة. اليوم يعيد الرئيس بوتين بناء أولويات بلاده، ويُدخل البحر الأحمر فضاء المصالح الروسية، بإعلانه تدشين "المرفأ البحري" ببورتسودان، خطوة جديدة لتوسيع نفوذ بلاده في الشرق الأوسط وأفريقيا، بالمعاهدات الاقتصادية وصفقات السلاح، والقواعد العسكرية التي تتيح لموسكو القدرة على تحريك القوات بمسرح العمليات؛ ومفتاح ردع للقوى المنافسة.
 
 
"الأسطول السجين"!
 
تعود فكرة القاعدة الروسية إلى عهد المعزول عمر البشير، إذ شكا إلى بوتين، من الضغوط الأميركية، وعرض عليه إقامة قاعدة عسكرية في البحر الأحمر، لحماية السودان من بطش الأميركيين، ووقّع معه اتفاقات عدة للتعاون الدفاعي، لكن العقوبات الدولية على السودان آنذاك أبطأت تنفيذها.
 
 
وينصّ الاتفاق حول القاعدة البحرية على أن تستوعب سفناً حربية روسية نووية وغير نووية، بحد أقصى 4 سفن، وقوة مؤلفة من 300 جندي. تسري مدة الاتفاق 25 عاماً قابلة للتجديد. وأوضح بوتين، أن إنشاء هذا المرفأ يستجيب لأهداف دعم السلام والاستقرار في المنطقة، ويحمل طابعاً دفاعياً، وليس موجَّهاً ضد أي دولة أخرى. ويُلزم الاتفاق روسيا بأن تقدم المساعدة للسودان، من دون مقابل، في عمليات البحث والإنقاذ ومكافحة أعمال التخريب.
 
 
يرى الكاتب الروسي رسلان غوريفوي أن الإمكانات اللوجستية للقاعدة الجديدة تتيح للأسطول الروسي "المسجون" في البلطيق وبحر الشمال، إمكان السيطرة على السفن المدنية والعسكرية في البحر الأحمر، وتوسيع وجوده أيضاً في المحيط الهندي، ومد أذرع موسكو وتعزيز حضور شركاتها في أرجاء القارة السمراء، والاستفادة من الثروات الخام الهائلة الكامنة في أراضي هذه القارة البكر وبحارها.
 
 
هكذا تمنح القاعدة السودانية روسيا بداية جيدة في أفريقيا، جنوب الصحراء عبر بوابة البحر الأحمر، حيث الثروات من اليورانيوم والذهب والكوبالت والنفط. وهذه المخازن الطبيعية قد تكون مصدر صراع مستقبلي بين روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا والهند وغيرها، كما أن الوجود الروسي في البحر الأحمر الذي يربط بين ممرّات بحرية مهمة، باب المندب جنوباً وقناة السويس شمالاً، حيث تمر 10% من تجارة العالم و40% من نفط الخليج إلى أوروبا والأميركيتين، يكفل لروسيا التمدّد إلى خليج عدن وبحر العرب ومضيق هرمز والمحيط الهندي، وإلى البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، بمعنى القدرة على خنق أي دولة معادية من هذه الخاصرة اللينة.
 
 
"حرب القواعد"
 
وبرغم ذلك، فإن الوجود الروسي في البحر الأحمر يتأرجح بين الإخفاق والنجاح، إذ إن القرن الأفريقي وما حوله متخمٌ بالأزمات من كل صنف؛ لكن ذلك يتضاءل أمام قسوة التزاحم بين القوى الدولية والإقليمية على البحر الأحمر وأفريقيا، بنزاع مستعر يتمثل في التسابق بين هذه القوى على إنشاء القواعد والأساطيل الحربية في تلك المنطقة الحيوية للاقتصاد العالمي. يربط البحر الأحمر بين قارات العالم القديم؛ ما يجعله أهم محور للتحكم الاستراتيجي في ممرات التجارة الدولية، بمثل ما هو طريق مثالي لتدفق القوة العسكرية من البحرين الأبيض والأسود، وعبر المحيطات: الأطلسي والهندي والهادي. من أجل ذلك، جعلت واشنطن القرن الأفريقي مقراً للقيادة الأميركية في أفريقيا "أفريكوم"، إضافة إلى نحو 34 قاعدة موزعة في دول القارة، ودشنت اليابان قاعدة عسكرية في جيبوتي عام 2009، وتبعتها الصين في 2017، كما تحتفظ فرنسا وبريطانيا وإيطاليا بوجود عسكري في بلدان المنطقة، وكذلك إسرائيل، وقد أقامت تركيا قاعدة في الصومال، ومثلها فعلت الإمارات والسعودية باليمن والصومال وإريتريا وجيبوتي، وتحاول إيران أن تحظى بحضور في اليمن عن طريق "الحوثيين".
 
 
أشعل الطموح الكبير للحصول على بقعة نفوذ ثابتة في القرن الأفريقي، "حرب الموانئ" أو "حرب القواعد" العسكرية الضارية بين القوى الفاعلة، لانتزاع موطئ قدم في الإقليم؛ لما له من أهمية جيوسياسية كبرى. أعان على ذلك الفراغ العسكري والأمني وانتشار الفقر والنزاعات في المنطقة، ما سمح لتلك القوى بالتمدد عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، بمعظم دولها، ومنها إلى قلب أفريقيا وحواف آسيا.
 
 
وقد أتاح التدخل الروسي، في سوريا ثم ليبيا، الفرصة لموسكو كي تعيد تأكيد نفسها لاعباً رئيسياً في سياسات القوى بالشرق الأوسط وأفريقيا، مع سعيها الحثيث للإفلات من حصار "الناتو" وضغوطه، ومحاولة الالتفاف عليه وتطويقه، وشكّل استخدام القوة العسكرية أبرز سمات التدخل الروسي، خصوصاً مع بوادر انسحاب واشنطن وتزايد عدم اليقين بشأن دورها المستقبلي هناك، وتحوّل التعاون الصيني - الأفريقي من مشاريع التنمية إلى التركيز على المواقع الاستراتيجية، ضمن مشروع "الحزام والطريق"؛ فاغتنمت روسيا الفرصة لإعادة إحياء علاقاتها القديمة وبناء أخرى جديدة.
 
الصيد الثمين
 
في 4 آب (أغسطس) الماضي، نقلت صحيفة "بيلد" الألمانية عن تقرير سري للخارجية الألمانية، أن روسيا أخذت تصاريح لإقامة قواعد عسكرية في 6 دول أفريقية، وأكدت أنها وقّعت اتفاقات تعاون عسكري مع 21 دولة أفريقية منذ 2015، في ظل "استراتيجية التحول" التي اتبعها الرئيس الروسي صوب آسيا وأفريقيا، عقب فرض الغرب عقوبات على بلاده، بعد ضمّها القرم عام 2014. وقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا 20 مليار دولار في 2018، ما فتح المجال أمام الشركات الروسية للاستثمار في قطاعات البنية الأساسية والتعدين والطاقة والمحطات النووية وغيرها، كما عقدت موسكو صفقات أسلحة متقدمة مع عدد من دول القارة، وهو ما رفع من وزنها النسبي بسوق السلاح الدولية؛ مع ما يعنيه من مكانة استراتيجية، ويعتبر هذا أبرز أسباب سماح السودان بإقامة قاعدة روسية على أراضيه، في خرق واضح لمبدأ مستقر في السياسة السودانية منذ الاستقلال، وهو عدم السماح بأي قواعد أجنبية قد تنتهك السيادة الوطنية، وتورط الخرطوم في نزاعات خارجية ليست له مصلحة فيها.
 
 
بنود سرية
 
وكان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان قد طالب الرئيس بوتين، على هامش القمة الروسية ـ الأفريقية، في سوتشي، بتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي مع السودان. ومع ذلك آثرت القيادة السودانية عدم الكشف عن بنود الاتفاق حول "القاعدة الروسية"؛ لا سيما أن الأوضاع الداخلية غير مستقرة، في بلد يمر بمرحلة انتقالية، ويعاني سياسياً واقتصادياً بشدة، بعد ثورة شعبية أنهت حكم البشير ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين "الكيزان"، ولذلك تجنّب رئيس الأركان السوداني إعطاء تفاصيل شافية عن الأمر عندما سُئل عن "القاعدة"، بما يجعلها إحدى القضايا الخلافية في ملف السياسة الخارجية للخرطوم، بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء وقوى إعلان الحرية والتغيير - كالتطبيع مع إسرائيل - في غياب سلطات نيابية ورئاسية منتخبة. وبرغم الغموض الذي يكتنف الصفقة، فإن ما رشح عنها يؤكد أن السودان سوف يحظى بدعم لوجستي روسي، في وجه الإرهاب والتخريب، كما ستحصل الخرطوم على منظومات أسلحة روسية فائقة التطور، مثل طائرات "سوخوي-35" وأنظمة "إس-300" أو"إس-400" للدفاع الجوي وسفن حربية، فضلاً عن الأسلحة التي ستنشرها روسيا في القاعدة لحمايتها.
 
 
مصدر إزعاج
 
لا شك في أن قوى إقليمية ودولية لن تكون سعيدة إطلاقاً بوضع روسيا "قدماً ثقيلة" في السودان، تراقب الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ودول إقليمية عربية كالسعودية، وغير عربية كالصين بقلق واضح؛ إذ تزدحم مياه البحر الأحمر بالأساطيل الحربية، ما قد يفجّر صراعات خطيرة، في منطقة تضج بالأزمات والنزاعات والحروب الأهلية، ولو بشكل غير مقصود، كما أن الداخل السوداني يبدو متذبذباً؛ فإن "المكوّن المدني" في السلطة السودانية الراهنة - وعلى عكس "المكوّن العسكري" الذي يدعم الاتفاق مع روسيا - قد يرفض تنفيذ اتفاقيات أبرمها نظام البشير، رغبة في علاقات متوازنة مع العالم الخارجي، خصوصاً أميركا وأوروبا، ومن ثمّ، فإن نجاح موسكو بإقامة قاعدة في السودان رهن بقدرتها على مد يد العون للسودانيين، وأن ترمي بثقلها لتحقيق "التوازن الغائب" مع القوى الكبرى المنافسة، وبالذات واشنطن وبكين، على المستويات كافة في ربوع أفريقيا، في ظل أوضاع جيو - ستراتيجية لا تثبت على حال؛ وإلا انقلب السحر على الساحر، وصارت "دبلوماسية القواعد" في أفريقيا مغامرة روسيا الأشد مجازفة، بما قد يحيل "حلم القياصرة" كابوساً مفزعاً... وذلك حديث آخر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم