إعلان

الموقف من "القضية"... بين الفيصل وبن سلطان

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
العلم السعودي
العلم السعودي
A+ A-
في مؤتمر حول قضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط، عقد عام 2017 في عاصمة أوروبية، كنت المتحدث الرئيسي في جلسة خاصة بالقضية الفلسطينية. استعرضت خلال الكلمة مواقف السعودية منذ وعد بلفور عام 1919 ومؤتمر لندن 1936 ضد الهجرة الإسرائيلية، وحصول الملك عبدالعزيز على وعد مكتوب من الرئيس الأميركي روزفلت بعدم اتخاذ أي قرار أميركي من دون العودة الى العرب في 1945، ومروراً بمشاركة الجيش السعودي في حرب التقسيم 1948 والدعم العسكري والمالي لدول المواجهة وقطع النفط عن الدول المؤيدة لإسرائيل بعد العدوان الثلاثي 1956 وحرب رمضان 1973، الى إنشاء منظمة التعاون الإسلامي رداً على حريق الأقصى 1969، ودعم المنظمات الفلسطينية والأممية الراعية للاجئين، وحتى مبادرات السلام في فاس 1984 وبيروت 2002، وجمع الصف العربي والإسلامي لمساندة كل قرار يتخذه الفلسطينيون وترتضيه قياداتهم الى تاريخه.
 
طلبت إعلامية فلسطينية الكلمة لتلقي أسئلة اتهامية للسعودية بخيانة - أو نية خيانة - القضية، وبيع مواقفها التاريخية من أجل ارضاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب صاحب "صفقة القرن"، والتحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران، وتحقيق مصالح "دنيوية" على حساب "القدس الشريف". 
 
المشكلة التي لا يدركها الإخوة الفلسطينيون هي أن الأمر بالنسبة إلى مهد العروبة وبلاد الحرمين ليست فقط احتلال أجنبي لبلد عربي، وتشريد أهله، والاستيلاء على حقوقهم وممتلكاتهم، مع أن هذا يكفي لوقفة مماثلة لدعمنا مصر وسوريا والأردن ولبنان لاستعادة أراضيهم. لكنها في الحالة الفلسطينية أعظم. فالمسجد الأقصى هو أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولن يقبل بلد يرفع لواء الإسلام وعلم التوحيد ويحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقود الأمة الإسلامية أن يقع في غير حكم المسلمين. 
 
وعليه، فسواء تصالحت القيادات الفلسطينية مع إسرائيل أو قاومت، قبلت بسيادة على أرض فلسطين كاملة أو ناقصة، باعت أو اشترت، ستبقى المقدسات الإسلامية ومسرى نبينا على رأس أولوياتنا، ولو تخلى غيرنا وذهبنا الى آخر الطريق منفردين. 
 
والذين أربكهم ما حسبوه تناقضاً بين ما جاء في مقابلة الأمير بندر بن سلطان على قناة "العربية"، من ردود صريحة وقاسية على تفريط وتخبط القيادات الفلسطينية وتعليق فشلهم في اقتناص كل فرص الحل التي قادت السعودية الجهود العربية والدولية لتأمينها، وبين انتقاد الأمير تركي الفيصل الحاد لإسرائيل في مؤتمر المنامة، قبل أسابيع، لم يدركوا بعد أن المواقف السعودية ليست مجزأة. فمواجهة الشقيق بأخطائه وتوبيخه عليها لا يعني التخلي عنه، فصديقك من صدقك لا من صدّقك. والأمير بندر أوضح بكل جلاء أن القضية الفلسطينية تبقى على رأس اهتمامات السعودية، فهي قضية عادلة رغم أن محاميها فاشلون. 
 
وبالمفهوم نفسه، فإن هجوم الأمير تركي الفيصل على إسرائيل وتصنيفها دولة محتلة، معتدية، تمارس أسوأ أنواع التفرقة العنصرية والظلم والاستعباد، لا يعني الدفاع عن أخطاء القيادات الفلسطينية خلال العقود الماضية، ولا اعفاءهم من مسؤوليتهم تجاه التبعات.
 
سألتُ الزميلة الإعلامية: أي موقف فلسطيني تطالبون السعودية بدعمه؟ هل اتفق القادة الفلسطينيون على رؤية واحدة للحل؟ هناك من يعترف بإسرائيل وينشد السلام معها، وهناك من يطالب بزوالها. ومنكم من وقع وطبّع مع إسرائيل منذ عقود، ومنكم من يرفض هذا التطبيع، ويدعو لحرب التحرير. 
 
ثم من يمثلكم؟ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، أم "حماس" في غزه؟ وكلاهما منتخب. بل حتى داخل الفصيل الواحد، لمن نسمع؟ للجناح السياسي أم العسكري؟ لمن يصرح من أنقرة أم من طهران، من موسكو أو من واشنطن؟ من دمشق أو من القاهرة؟ قادتكم لم يتفقوا على كلمة واحدة ومطالب محددة لكي ندعمها. ولم يقرروا بعد ما إذا كانوا مع الصف العربي الممثل في الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، أو العجمي في شقه الإيراني أو التركي. مع التيار السياسي الذي يعترف بالمنظمات والقرارات الدولية، أو الإسلاموي الذي يأتيه الوحي من السماء! اجتمعوا أولاً على كلمة سواء، ثم طالبونا بتبنيها وإقناع العالم بها. 
 
السعودية ما زالت تصر على عدم التطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف بدولة إسرائيل - رغم أنكم فعلتم، وتبعكم كثير من العرب - وما زالت بلادنا تدفع ثمن هذا الإصرار على حساب مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية. ذلك لأننا نعلم مكانتنا في العالم العربي وموقعنا القيادي للأمة الإسلامية. ولأننا أصحاب مبادرة سلام وافق عليها العرب بالإجماع، وتبعتهم الدول الإسلامية، وعلى إسرائيل أن تقبلها أولاً. ولأن القدس في قلوبنا. 
 
وإسرائيل تعلم أن تطبيع السعودية سيفتح لها أبواب جنة التطبيع مع بقية العرب والمسلمين، وهذا ثمن غالٍ وجائزة كبرى لن تنالها حتى تدفع مهرها: دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وعودة الجولان، وحل مشكلة اللاجئين. 
 
وعليه، فإن أي تسريبات إعلامية وادعاءات سياسية، أياً كان مصدرها، هدفها المكشوف والمستتر خدمة أصحابها. فساسة الفرس والروم يزايدون علينا في قضيتنا، يبيعون ويشترون. وساسة تل أبيب وواشنطن يتكسبون انتخابياً منها. والأبواق العربية من مطايا العجم يمارسون التنفيس عن أحقادهم وكراهيتهم لكل ما تمثله السعودية، سياسياً ومذهبياً وعرقياً … ويسترزقون! 
 
واختتمت ردي بتساؤل: كل هذا نفهمه ونستوعبه ونتعايش معه. لكن ما لم ندركه بعد، ونعجب له ونستغربه، هو تصديق تيارات شعبية فلسطينية واسعة للخطاب المعادي لنا وتبنيهم له، رغم علمهم بمواقفنا التاريخية الثابتة معهم، وتأرجح خصومنا ومتاجرتهم. واذا كنت تمثلين هذه التيارات تفضلي بشرحها لنا، واذا اقتنعتي بما أوضحت فواجبك أن تنقليه لهم. 
 
شكرتني الأخت الكريمة على ردي، وبدت مستوعبة له، مقتنعة به، وردت: نحن الفلسطينيين قلقون مما نسمعه عن نوايا السعودية هجر قضيتنا، لأننا نعلم يقيناً أنها عمود الخيمة، وسندنا الكبير، الأول والأخير، وإذا خسرناها خسرنا كل شيء. لذلك نضج ونحتج، نغضب ونثور... نكرر الاتهامات والأسئلة لنحصل على إجابة حاسمة، جازمة مطمئنة، في كل مرة! وكلنا يقين بأن الأخ الأكبر سيتسع صدره لنا، ولن يهجرنا مهما أسأنا واخطأنا. هذا تفسير، أخي السعودي، وليس تبريراً. ولك عندي أن أنقل لقرائي ما سمعت. 
 
كان هذا منذ ثلاث سنوات، كذبت الأيام خلالها تهمة دعم السعودية لصفقة القرن، ولا تزال تكذب أسطورة التطبيع. ولكن ... ما زال الشك ... وما زال التشكيك... (أليس منكم رجل رشيد)؟! 
 
@kbatarfi
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم