إعلان

"لعبة الجوجيتسو" بين مصر والولايات المتحدة... وإعادة ترتيب الأوراق

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
من الحوار المصري - الأميركي
من الحوار المصري - الأميركي
A+ A-
على غير المتوقع، عاد الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة، مع أن الرئيس الأميركي جو بايدن يتخذ موقفاً متشدداً تجاه سجل حقوق الإنسان في مصر، والمساعدات الاقتصادية والعسكرية المقدمة إليها، حتى بدا الصدام بين الدولتين آتياً لا محالة. لذلك رأى بعض المتابعين عودة الحوار الاستراتيجي مكافأة للقاهرة، واعتبره آخرون حسماً من رصيدها، وذهب فريق ثالث إلى أن الأمر أشبه بـ"لعبة الجوجيتسو" التي يحوّل فيها اللاعب قوة خصم أكبر ضد نفسه، لدرجة تدفعه إلى الاستسلام. وبرغم تعدد زوايا النظر، فإن ما جرى يثبت صحة مقولة ونستون تشرشل: "في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم... هناك مصالح دائمة"، فما الذي دفع القطار لاستئناف التحرك على القضبان بين واشنطن والقاهرة، وإلى أي محطة يتجه، وكيف يتفادى المنحنيات الخطرة والقضايا الشائكة العالقة بينهما؟
 
الخنق البطيء
خلال حملته الانتخابية، أطلق المرشح الديموقراطي للرئاسة الأميركية جو بايدن مواقف، فهم منها أنه سيعيد تقييم العلاقة بين بلاده ومصر، على خلفية قضايا الحريات وحقوق الإنسان والسياسات الاقتصادية وغيرها، على نحو مغاير لنهج سلفه الجمهوري دونالد ترامب الذي كان على تفاهم مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. أخذت القيادة المصرية تصريحات بايدن بعين الاهتمام، بالنظر إلى مساندة الديموقراطيين في عهد باراك أوباما تيارات الإسلام السياسي في مصر والعالم العربي؛ ومن ثمّ عدَّ المصريون أي سلوك مماثل، تحت قيادة بايدن، ليس إلا محاولة للخنق البطيء لا يمكن السماح بها.
 
خيّمت سحب القلق في سماء القاهرة تجاه استراتيجية إدارة بايدن، لكن مصر التي تحسبت لكل السيناريوات نجحت في امتصاص الصدمة وإعادة توجيهها إلى المنافس، وهو في المناسبة أقوى دولة في العالم، فربحت جولة مهمة، من خلال تكثيف حضورها في قضايا الإقليم، وجاء دورها في وقف العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، ليثبت قدرتها على لعب دور لا يقوم به غيرها في الصراع بين إسرائيل و"حماس"، كذلك تأثيرها المحسوس في ليبيا وشرق المتوسط والسودان، وسعيها للوجود الإيجابي في سوريا والعراق ولبنان واليمن... شواهد قادت الأميركيين إلى الاعتراف بدورها الفاعل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 
ورويداً رويداً، تراجعت مخاوف الطرفين المصري والأميركي، وصولاً إلى "التطمينات المتبادلة" تجاه احتياجات كل طرف من الآخر، بالبحث عن بدائل لمعالجة القضايا العالقة، وفرز الثابت الاستراتيجي عن الطارئ التكتيكي. على سبيل المثال، أشار البيان الختامي للحوار الاستراتيجي في شكل عابر إلى قضية حقوق الإنسان في مصر، لتجنب إغضاب القاهرة، برغم ممارسة واشنطن ضغوطاً عليها، من وراء ستار، لإجراء إصلاحات. أما مصر، فقد استبقت الحوار الاستراتيجي بعدة خطوات، كإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وإلغاء حالة الطوارئ بالبلاد. يثبت ذلك أن واشنطن بحاجة للقاهرة، كما أن القاهرة بحاجة لواشنطن، وهما متفاهمتان حول حزمة أهداف: تقوية الاقتصاد المصري وإرساء السلام في المنطقة والحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، وتدفق مصادر الطاقة من دول الخليج وضمان أمن تلك الدول، ومكافحة الإرهاب والإسهام في إطفاء النزاعات الإقليمية.
 
أزمة الهيمنة
تقوم الاستراتيجية الأميركية على اعتبار واشنطن "مركز" النظام العالمي، اقتصادياً وسياسياً وتكنولوجياً وعسكرياً، وهي تسعى بكل ما أوتيت إلى تشكيل المحيط العالمي على مقاس مصالحها، لكن الشواهد تشير إلى دخول الولايات المتحدة في "أزمة الهيمنة"؛ إذ لا تستطيع الاستمرار في المزيد من التدخلات العسكرية من دون ثمن فادح، كما حدث في أفغانستان والعراق.
 
وفي ظل الصعود الصيني والمناكفة الروسية والتشققات في جدران "الناتو" والتحالف الأميركي - الأوروبي عبر الأطلسي، يأتي مدّ الجسور مع الحلفاء الإقليميين الرئيسيين، مثل مصر، أمراً جوهرياً لتحقيق الأهداف الأميركية بالإغراء والإقناع، وإذا تعذرا فبالإكراه. في هذا الشأن تحاول الولايات المتحدة كسب مصر إلى صفها، وتأهيلها كشريك أساسي، نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي ولكونها المركز الثقافي والسياسي للعالم العربي وإحدى القوى العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط، أما القاهرة فتتحاشى الدخول في عداوة مع واشنطن، حتى لا تعرقل مساعيها لاستعادة دورها التاريخي في المنطقة أو تقطع الطريق على مراميها.
 
وحتى لا نقع في دائرة الاستدلال الفاسد أو الإيجاز المخل، فإن هذا الاستنتاج لا يقدم دليلاً على تحوُّل جوهريّ في السياسة الأميركية تجاه مصر في عهد بايدن... الولايات المتحدة دولة كبرى تتبنى استراتيجيات ممتدة، مهما تعددت المراحل والوجوه والأدوات؛ وهي تجدد نفسها باستمرار، في ضوء بيئاتها الداخلية والدولية، وهي تعمل على إعادة ترتيب الأوراق مع الحلفاء وأشباه الحلفاء، كلما اقتضت الضرورة، ولو تخيلنا أن العلاقات المصرية - الأميركية محصورة بين نقطة بداية ونقطة وصول وبينهما تطلع إلى المستقبل، فإن نقطة الوصول محكومة بالطبيعة الإشكالية لهذه العلاقات، وبرغم أهميتها للطرفين يُعد التوافق التام بينهما شبه مستحيل.
 
الولايات المتحدة دولة ذات نزوع إمبراطوري، لا تريد حلفاء في الحقيقة، بل أتباعاً يدورون في فلكها، وهو ما لا تقبله مصر أو ترضاه أو تقدر على تكلفته الفادحة، باعتبارها دولة محورية في منطقتها، ومن ثمّ تظل العلاقات بينهما خاضعة للشد والجذب والمناورة في بحر السياسة العالمية العميق وأمواجه المتلاطمة وطقسه المتقلب، ولعل قضية سد النهضة والعراقيل أمام تقدم مصر لتأدية الدور الرئيسي في الشرق الأوسط، مثالان جيدان، بهذا الخصوص.
 
حصان طروادة
في قضية السد الإثيوبي، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنوة فيديريكو دونيلي، إن مصر كانت تتوقع موقفاً حازماً من قبل واشنطن في ما يخص أزمة السد، لكن إدارة بايدن - ومن قبلها إدارة دونالد ترامب - بدت مترددة ولم تضع استراتيجية متماسكة حول هذا النزاع الذي يهدد بإشعال القرن الأفريقي وتفجير الأوضاع في الشرق الأوسط وأفريقيا، على نحو أكثر قتامة. صحيح أن ترامب دقّ طبول الحرب، عندما رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاق أعدته واشنطن حول السد، ووافقت عليه مصر، بقوله "إن مصر ستفجر السد في نهاية المطاف"، لكن البعض اعتبر ذلك مصيدة لمصر، بتحريضها على استخدام القوة في مغامرة غير محسوبة، ومن دون مساندة فعلية لحقوقها التاريخية والمكتسبة في مياه النيل الذي تريد إثيوبيا الهيمنة عليه. أما إدارة بايدن فتهدف للملمة الفوضى التي خلفتها سياسات آبي أحمد في إثيوبيا، وبرغم إعلان الإدارة الأميركية تفهمها ضرورات الأمن المائي لمصر، فإنها تبدو وكأنها غسلت يديها من قضية السد، تاركة مصر بين خيارين أحلاهما بالغ المرارة.
 
القضية الثانية وبالخبرة التاريخية، تؤيد واشنطن قيام القاهرة بتأدية دور فاعل في قضايا الإقليم، لكن تحت المنظار الأميركي، وهو ما لا ترتاح له القاهرة، لا سيما أن الولايات المتحدة تستخدم منافسي القاهرة الإقليميين مثل تركيا وإسرائيل وحتى إيران كحصان طروادة لخلخلة النظام الإقليمي العربي - الذي تقع القاهرة في القلب منه - جيواستراتيجياً، سواء في شرق المتوسط، أو بخلق تهديد وجودي لمصر في ليبيا، أو تمزيق وحدة سوريا والعراق، أي أن هناك "خطواً على الرمال" يصعب تجاوزه، ومصر لن تصبح كإسرائيل أو تركيا في مدى منظور.
 
بعيداً من السقوط في أسر نظرية المؤامرة أو نظرية الهيمنة العذراء، وكلاهما يثير الغبار والدخان من حول واقع الحال، فإن العلاقات الدولية صراعات قوى ومصالح تمارس فعلها بكل الوسائل الناعمة والخشنة، وتندفع في سباق الحياة بأقصى سرعة يسمح بها العقل والعلم، وهي تجرب فرض إرادتها بكل الوسائل، علناً وسراً، إقناعاً وقسراً؛ هنا يصعب اعتبار التاريخ مؤامرة مستمرة، لكنه في اللحظة نفسها يصعب اعتباره فردوساً للأطهار. الخيط رفيع بين الأبيض والأسود، وبرغم الطبيعة الإشكالية للعلاقات المصرية - الأميركية، المصالح هي الحاكمة، ترى أميركا والاتحاد الأوروبي مصر حليفاً حيوياً، وسط صراع الإرادات بين القوى العظمى المهيمنة والصاعدة، بينما تمارس مصر هوايتها في لعب "الجوجيتسو"!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم