إعلان

الانتخابات الليبية... ما قبلها وما بعدها

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
مؤتمر صحافي لرئيس المفوضية الليبية للانتخابات عماد السايح الثلثاء 23 تشرين الثاني (نوفمبر) في طرابلس. (أ ف ب)
مؤتمر صحافي لرئيس المفوضية الليبية للانتخابات عماد السايح الثلثاء 23 تشرين الثاني (نوفمبر) في طرابلس. (أ ف ب)
A+ A-
يعتقد كثير من المهتمين بالشأن الليبي أن حملات التشويه التي يتعرض لها مرشحا الرئاسة خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي مصدرها الأطراف "الإخوانية" المدعومة من الأتراك والتي يبدو أنها تدعم مرشحين آخرين وتخشى عليهم من شعبية هذيْن المُرشحيْن. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو أن الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بعدم ترشح كل من حفتر والقذافي تشهدها مدينتا طرابلس ومصراتة وهما معقل الحركات "الإخوانية" والنفوذ التركي.
 
كما أن المدعي العام العسكري، الذي طالب بوقف إجراءات ترشيح خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي للانتخابات الرئاسية، وبعث برسالة إلى رئيس المفوضية العليا للانتخابات زعم فيها تورطهما في جرائم بحق الليبيين، تشير قرائن وأدلة إلى ارتباطه بالأطراف "الإخوانية" في طرابلس. وبالتالي، فإن أصابع الاتهام تتجه إلى هؤلاء تحديداً ومن ورائهم الأتراك الذين يدركون جيداً أن صعود حفتر إلى سدة الحكم أو حتى القذافي سيعجل بمغادرتهم الأراضي الليبية.
 
ويرى البعض أن رئيس الحكومة الحالي، عبدالحميد الدبيبة، والذي قدم ترشيحه للانتخابات الرئاسية خلافاً للاتفاقات المنبثقة عن الحوار الليبي الذي تم برعاية أممية، قد يكون أحد مرشحي التنظيمات "الإخوانية" والأتراك إلى الانتخابات الرئاسية. ولعل هذه الأطراف هي التي دفعته دفعاً إلى الترشح من دون أن تكون هي في الواجهة بسبب السمعة السيئة التي باتت تلتصق بها في السنوات الأخيرة، ضاربة بعرض الحائط ما اتفق عليه الليبيون والمتمثل أساساً في عدم ترشح من يتولون مناصب في السلطة التنفيذية الحالية في هذا الاستحقاق الانتخابي.
 
ويتذكر القاصي والداني الحملة الشعواء التي شنها الدبيبة من دون مبرر على جارته تونس مباشرة بعد إطاحة الرئيس التونسي قيس سعيّد بـ"حركة النهضة" "الإخوانية" التي تتمتع بعلاقات متينة مع نظيرتها الليبية. وقد أكد البعض أن تلك الحملة هي قرينة على ارتباط الدبيبة بالأتراك وبالتنظيمات "الإخوانية" المرابطة في طرابلس والتي أثار حفيظتها ما حصل في تونس وباتت تخشى أن تعرف المصير ذاته على يدي "سعيّد ليبي" نظراً للترابط الوثيق بين دول المنطقة وتأثيرها بعضها في البعض الآخر.
 
ولعل السؤال الذي يُطرح، ما هي حظوظ الحركات "الإخوانية" والأتراك في إيصال مرشحهم إلى سدة الحكم سواء تعلق الأمر بعبدالحميد الدبيبة أو بغيره؟ هل لهؤلاء القدرة على إيصال أول رئيس في تاريخ ليبيا، يكون موالياً لهم من دون سواهم إلى سدة الحكم؟ أم أنهم أعجز من أن يقوموا بذلك أسوة بنظرائهم في تونس الذين لم يتمكنوا من تحقيق ذلك لمرتين متتاليتين، وذلك بعدما انهزم مرشحهم "الخفي" المنصف المرزوقي أمام الباجي قائد السبسي سنة 2014، ولم يتمكن مرشحهم البادي للعموم عبدالفتاح مورو سنة 2019 من تجاوز الدور الأول؟
 
في الحقيقة لا توجد مؤسسات لسبر الآراء في ليبيا لاستطلاع نوايا التصويت خلافاً لما هو الحال في تونس التي قطعت أشواطاً مهمة في هذا المجال، لكن أغلب المؤشرات تؤكد أن نجم "الإخوان" في شمال أفريقيا قد أفل، وأن المنطقة، التي خبرت سوء سياساتهم في تونس والمغرب وجرائمهم في ليبيا وغيرها، يصعب أن تمنحهم ثقتها من جديد، في الوقت الحاضر على الأقل. ويدرك "إخوان ليبيا" هذا الأمر جيداً، لذلك قاموا في وقت سابق بتغيير الاسم إلى "جمعية الإحياء والتجديد" عوضاً عن جماعة "إخوان ليبيا" لعل ذلك يمكنهم من تغيير الصورة الراسخة في الأذهان عن الجماعة الدموية التي تسببت في تقسيم الشعب الليبي مع آخرين طيلة السنوات الماضية وخدمت مصالح الأتراك.
 
ويؤكد البعض أن الطرف الفائز بالانتخابات الرئاسية ستكون حظوظه وافرة للفوز في الانتخابات التشريعية باعتبار الفارق الزمني القليل بين الاستحقاقين والذي سيمكن الرئيس الجديد، مستغلاً الشعبية التي سيكتسبها، من دعم فريقه للسيطرة على أكبر قدر من المقاعد في البرلمان. فالمجتمعات الشمال أفريقية وعلى غرار أغلب بلدان المشرق، وبالنظر إلى التطورات الحاصلة في أكثر من بلد، لا تزال تحن على ما يبدو إلى "الرئيس الأب" و"القائد الملهم" الذي تسير خلفه الأمة صاغرة مستسلمة شاكرة، ولا تزال ثقافة المؤسسات لم تترسخ بعد لدى هذه الشعوب التي عاشت لقرون تحت سلطة الزعيم الأوحد.
 
في المقابل يعتبر البعض أن الانتخابات الليبية قد تفرز رئيساً وأغلبية برلمانية من فريقين مختلفين ومتضادين على غرار ما حصل في تونس عام 2019 وأنتج صراعات انتهت بأزمة حقيقية جعلت الطبقة السياسية على قناعة بعد سنوات بضرورة تعديل الدستور وتغيير شكل النظام. فهل تسير ليبيا على خطى جارتها الغربية في هذا الإطار، وخصوصاً أن البعض يؤكد أن الدستور الليبي الجديد مملوء بالألغام ويمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه في حال تم انتخاب رئيس وأغلبية نيابية من فريقين مختلفين؟
 
إن الدستور الليبي الجديد يقر نظاماً شبيهاً بالنظام البرلماني، فيه رأسان في السلطة التنفيذية، أحدهما هو رئيس الحكومة الذي ينبثق من الكتلة البرلمانية التي تمثل الأكثرية، وذلك على غرار الأنظمة البرلمانية. وبالتالي تكون لرئيس الحكومة شرعية انتخابية غير مباشرة تمكنه من سلطة القرار وتجعله الحاكم بأمره في هذا النظام الذي يبدو في ظاهره برلمانياً. وفي المقابل وخلافاً للأنظمة البرلمانية، وأسوة بالدستور التونسي الكارثي، وأيضاً بالأنظمة الرئاسية، سيتم انتخاب رئيس الجمهورية في ليبيا بالاقتراع العام والمباشر من الشعب وهو ما سيمنحه قيمة اعتبارية ورمزية تعادل رمزية البرلمان مجتمعاً، وهو أمر لا يجوز باعتباره يثير شعوراً لديه بالتفوق وهو ما سيجعله في صراع مع رئيس الحكومة صاحب الصلاحيات المهمة.
 
وبالتالي لن تكون هذه الانتخابات الرئاسية والتشريعية إن تم إجراؤها في موعدها، النهاية لمشاكل الليبيين لأن ما ينتظرهم من أزمات عند تطبيق هذا الدستور المملوء بالألغام يجعلهم أمام حتمية البحث عن الحلول ومنذ الآن، وذلك قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. ولليبيين تجارب مقارنة مع دول مجاورة في إمكانهم الاستفادة منها من خلال تجنب هناتها قدر الإمكان للخروج بأخف الأضرار.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم