إعلان

دور أميركي حاسم في اتّفاق البرهان - حمدوك

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
متظاهرون سودانيون
متظاهرون سودانيون
A+ A-
حركت التظاهرات الضخمة والاحتقان الداخلي الشديد تأييداً لعودة الحكم المدني الى السودان المجتمع الدولي، لا سيما الولايات الأميركية لممارسة ضغوط كبيرة على قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح البرهان للعودة إلى الوثيقة الدستورية (2019)، وتكليف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تشكيل حكومة انتقالية جديدة. 
 
ثمن هذا التطور كان باهظاً، إذ سقط أكثر من أربعين شهيداً بالرصاص الحي الذي صوّبه الجيش على رؤوس الشباب وصدورهم. 
 
لعبت دول الترويكا المؤلفة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والنرويج دوراً فعالاً في إحياء الاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك، وكان للدور الأميركي الفضل الأكبر في إحياء العملية السياسية، فلعبت مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية مورلي فيبي والدبلوماسي المخضرم جيفري فيلتمان دوراً فعالاً في تبني واشنطن مواقف جريئة واستثنائية بإعادة الحكم المدني وإطلاق سراح المعتقلين وحث الكونغرس على معاقبة معرقلي المسيرة الديموقراطية. موقف أميركا أملته اعتبارات جيو استراتيجية تتعلق بموقع السودان، وقطع الطريق على السياستين الروسية والصينية اللتين تطمحان للحصول على قواعد عسكرية، ما أدى إلى تصلب واشنطن وإفهام القيادة العسكرية السودانية بأنه غير مسموح بإطاحة الإنجازات التي تحققت بعد إطاحة عمر حسن البشير. وفوراً أخذت الإدارة الأميركية قراراً بحجب المساعدات عن السودان والبالغة 700 مليون دولار. 
 
موقف واشنطن الحاسم والحازم دفع البرهان إلى مراجعة مواقفه وإعادة حساباته، فاتصل بحمدوك الذي كان يخضع للإقامة الجبرية وعقدا اتفاقاً سياسياً ثنائياً يعيد الأمور إلى مجاريها قبل 25 تشرين الأول (أكتوبر)، مكرّساً عودة الشراكة العسكرية - المدنية. 
اللافت في الاتفاق السياسي هو إبعاد الأحزاب السياسية عن المشاركة في الحكومة الانتقالية. ربما يكون ذلك فرصة لهذه الأحزاب لترتيب أوضاعها الداخلية استعداداً لخوض الانتخابات التشريعية في 2023. 
 
أثار الاتفاق جدلاً وسجالات واسعة في المجتمع السياسي السوداني، فوصفه تجمع المهنيين بأنه اتفاق خيانة مرفوض جملة وتفصيلاً، ومحاولة بائسة لشرعنة الانقلاب وسلطة المجلس العسكري وانتحار سياسي لعبد الله حمدوك. 
 
للاتفاق إيجابيات، منها إحياء الوثيقة الدستورية، وإطلاق سراح المعتقلين، وتأليف لجنة تحقيق في حوادث قتل المتظاهرين وغيرها من النقاط الأربع عشرة التي شملها الاتفاق. حمدوك رد على الغاضبين والمشككين بأنه وقع الاتفاق حقناً للدماء، ومنع تقاتل الإخوة. ورغم الحذر والحيطة، سيكون الاتفاق حصناً للفترة الانتقالية وتشكيل حكومة جديدة من تكنوقراط، تتمتع بصلاحيات تنفيذية لا يكون للجيش تدخل فيها.
 
الشارع السوداني منقسم وغير موحّد. فئة تؤيد الاتفاق وتعتبره خطوة نحو مزيد من الحوار والتفاوض والتهدئة، وفئة تعارض بشراسة قبول التفاوض مع البرهان. قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وبعض الأحزاب سحبت وزراءها من حكومة حمدوك، وأكدت معارضتها ما جرى خفية، ما يعطي العسكر تفوقاً في كسب الوقت وتلميع صورتهم، وتأمين بقاء هيمنتهم، ويرفع عنهم الضغوط الدولية. المعارضة تعتبر تشكيل البرهان مجلس سيادة جديداً من أربعة عشر عضواً، طابعه جغرافي أكثر منه سياسياً، انقلاباً على الوثيقة الدستورية... الرافضون للاتفاق يصرون على تنحي العسكر وتسليم البلاد إلى المدنيين، الأمر الذي يبدو ساذجاً في ظل التماسك العسكري وقوة الجيش المسيطرة. 
 
في الأوساط المدنية المشرذمة وغير الموحدة، هناك رأي مخالف للرفض المبرم، يميل الى إعطاء حمدوك فرصة للتفاوض، والى الكف عن تخوينه، لأنه رجل يتمتع بمصداقية واحترام داخل السودان وخارجه. المأزق السوداني يتطلب تسوية وتقديم تنازلات من الطرفين، وإحياء الشراكة العسكرية - المدنية حتى موعد الانتخابات التشريعية الفاصلة في 2023. 
البرهان ضرب عرض الحائط بالتنديد الدولي والاحتقان الداخلي. لم يكترث لفترة لتهديدات واشنطن بقطع المساعدات وفرملة الاستثمارات والقروض. البرهان وفريقه مصممان على حكم السودان وحصر السلطة في أيديهم، مع انتقاء مدنيين طيّعين يأتمرون بأوامرهم. العسكر يراهن على تعب الناس والعودة إلى أشغالهم وممارسة حياتهم الطبيعية بالركض وراء الرغيف والوقود والوظيفة...
 
إن الوضع السوداني شديد التعقيد والغموض والتشرذم. بلاد واسعة. شعوب متنافرة وقبائل وعرقيات متناحرة. وثقة مفقودة تاريخياً بين العسكر والمدنيين. قسم كبير من الشعب لم يسأم التظاهر ويطالب بإسقاط العسكر وإعطاء الحكم للمدنيين. العسكر تنكر لفكرة التداول خوفاً من تعرض كبار الضباط إلى تهم بجرائم الحرب اقتُرفت في حروب دارفور والجنوب والشرق. البقاء في الحكم أطول فترة ممكنة يبعد عنهم كأس المساءلة والملاحقة والإدانة من محكمة الجنايات الدولية. 
 
كما أن للعسكر مصالح اقتصادية وشخصية. سيطرتهم على إدارة مجمع الصناعات العسكرية والمواد الأولية التي تستخرج وتسوق، كالذهب والفضة والحديد والنفط، تجعلهم يتحكمون بمردودات الذهب التي تباع سنوياً إلى روسيا بمعدل 25%، والتي تعود إلى جيوب أصحاب المناصب العليا في الجيش. الذهب كان إحدى نقاط الخلاف مع حمدوك الذي أصر على إدخال العائدات إلى موازنة الدولة.
 
لا أحد يتوهّم ويتوقّع أن تنتهي الخلافات والحساسيات بين العسكر والمدنيين. السودان أمضى 52 سنة في حكم العسكر، ومن الصعب التهكن بتسليم المدنيين الحكم بطيبة خاطر. في السنتين الماضيتين العلاقة لم تكن سليمة ولا صحيحة وصاف يا لبن. التوترات والخلافات عصفت بالمجلس السيادي والحكومة الانتقالية حين حمّل العسكر الحكومة المدنية مسؤولية الأزمة المعيشية الاقتصادية، علماً أن الإنجازات التي حققتها حكومة حمدوك تفوق التوقعات: رفع العقوبات، خفض الديون، وفتح باب الاستثمارات الخارجية على مصراعيه. ثمن هذه الانفراجات كان توقيع السودان على التطبيع مع إسرائيل عبر اتفاقية إبراهيم. 
 
العسكر لم ولن يتعلم الدرس. إنه منطق القوة التي يتمتع بها. في تشرين الأول تخلى عن كل الإيجابيات، فحل الحكومة وأعلن حالة الطوارئ وودّع شهر العسل مع المدنيين، وكأنه يستحيل مزج الماء والزيت. في الأشهر الأخيرة لم تكن الأمور تسير بنجاح. العسكر يستخف بقوة المشاريع ولم يقدّر قيمة حمدوك الدولية كعنصر ثقة للمجتمع الدولي والمانحين. 
 خلال الأسابيع الأربعة من الانقلاب، استُعيد حكم البشير من دون الرجل. تحركت القيادات الإسلامية وأيدت العسكر، وجاءت الدعوات الى الاشتراك في التظاهرات عبر مكبرات الصوت من المساجد فرصة للظهور مجدداً، ممثلة "الدولة العميقة" التي يملأ عناصرها المؤسسات ومفاصل الدولة.
 
العسكر لا يقر ولا يعتقد بتداول السلطة. ولا يأبه لانطلاق المسيرة الديموقراطية وحقوق الإنسان.. إنه صراع قديم جديد حول النفوذ والصلاحيات والمصالح. الجيش استغل ثغرة ضعف قوى الحرية والتغيير التي هي ائتلاف عريض غير متجانس وغير موحد الرؤى والبرامج، يحمل أفكاراً وبرامج متناقضة، وتشمل مراكز قوى متعددة. 
 
السودان على مفترق طرق: إما السير في طريق النجاة والعودة إلى الشراكة المدنية العسكرية، كما نصّت الوثيقة الدستورية 2019 أو البقاء في الشارع والفوضى في مستنقع من الدم. 
 
 رغم الجدل والسجال في اتفاق البرهان - حمدوك، تبقى خطوة العودة إلى الحوار والتفاوض مشروعاً قابلاً للحياة إذا صدقت النيات وحسن تنفيذ البنود. ردود فعل المجتمع الدولي والإقليمي جاءت مؤيدة وحافزاً ليمضي الطرفان قدماً في تنفيذ ما اتُّفق عليه لإنقاذ البلاد من الفوضى والحرب الأهلية. 
 
للاتفاق حسنات تجب الإضاءة عليها، فقد حدّد مهام المجلس السيادي وحصره في الإشراف على تنفيذ الفترة الانتقالية من دون التدخل في العمل التنفيذي، ما يعطي الحكومة فرصة العمل على تشكيل بنية المؤسسات الانتقالية والعدلية بتعيين المحكمة الدستورية ورئيس القضاء والنائب العام. جميعها كانت نقاط خلاف عميقة بين المكوّنين العسكري والمدني. 
 
وتبقى العبرة في التنفيذ. وهو ما سيكون تحت المجهر دولياً وإقليمياً، لأن حوادث السودان غير متوقع أن تهدأ بين ليلة وضحاها، والشعب السوداني برهن أنه مستعد لأن يبقى العين الساهرة على مصالح البلد، رغم التضحيات والخسائر. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم