إعلان

الانسحاب من أفغانستان... تلطيخ سمعة أميركا وتعويم "طالبان" وأخواتها

المصدر: النهار العربي
هادي جان بوشعيا
الانسحاب الأميركي من أفغانستان
الانسحاب الأميركي من أفغانستان
A+ A-
هل تغيرت "طالبان" فعلاً أم أنها تنتظر خروج آخر جندي أميركي من أفغانستان؟
المتحدث بلسان حركة "طالبان" يَعد بحكومة شاملة تقوم على مبدأَيْ المصالحة الوطنية وضمان حقوق المرأة، فيما يقول الرئيس الأميركي جو بايدن إن الحركة تمرّ بأزمة وجودية بشأن ما إذا كانت تريد الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بها كسلطة شرعية نظراً لتشبثها بقناعاتها؛ إلا أنها، في الوقت ذاته، تكترث لتوفير الغذاء والحصول على موارد وأموال من أجل تسيير الاقتصاد فضلاً عن الحفاظ على تماسك المجتمع الذي تقول إنها تهتم لأمره.
 
وفي هذا الصدد، خرجت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لتحذير "طالبان" من مغبة تجريد المرأة الأفغانية من حقوقها. أما زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي ميتش ماكونيل فذهب بتحذيراته أبعد من ذلك، محذراً من تحوّل أفغانستان إلى ملاذ آمن للإرهابيين.
ذلك أن بقاء القوات الأميركية في أفغانستان كان يشكل ضمانة لعدم إنهيار الوضع المستقر نسبياً، لكن ما حدث يمثل كارثة كبيرة تلطّخ سمعة الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً أن كل تنظيم إرهابي عبر العالم سواء في ليبيا والعراق وسوريا واليمن وأفريقيا عموماً سيهزأ بالخروج المهين لتاريخ أميركا كدولة عظمى وهزيمتها على يد منظمة إرهابية في أفغانستان.
 
وفي حين تباينت الآراء والمواقف على نحو أكثر حدة بين الخبراء والمحللين السياسيين حول قرار بايدن الكارثي بإنهاء حرب الولايات المتحدة في أفغانستان خلال ولايته، حيث أظهر قيادة وشجاعة منقطعتي النظير من جهة، الأمران اللذان افتقدهما الرئيسان السابقان باراك أوباما ودونالد ترامب، لكن، من جهة أخرى، أتى تنفيذ القرار عملانياً مخيّباً للآمال ومحبطاً إلى حدّ كبير.
 
وعليه يمكن استعراض تبعات الانسحاب الأمنية على الولايات المتحدة وصورتها أمام المجتمع الدولي:
 
بين ترامب وبايدن ... منسوب "الكرامة"
1- يمكن وصف الانسحاب من أفغانستان بأكبر إهانة لأميركا منذ أزمة الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، زد على ذلك افتقار بايدن لخطة الانسحاب بحدّ ذاته وما بعده، فضلاً عن الإحراج الذي طاول واشنطن دولياً والتشكيك الذي انتاب حلفاءها في إمكان الاعتماد عليها مجدداً.
 
والجدير ذكره أن الاتفاق الذي أبرمته إدارة دونالد ترامب السابقة مع "طالبان" جعل الوضع مستقراً، بحيث بدأ الانسحاب التدريجي من أفغانستان والذي كان مشروطاً بإيقاف "طالبان" الهجمات على القوات الأميركية، وعدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين، والتفاوض مع القادة الأفغان على تشكيل حكومة جديدة. فاتفاق ترامب مع طالبان كان سينهي "بكرامة" أطول حروب أميركا، لكن بايدن قرر عدم الالتزام بما أبرمه ترامب وفضّل الانسحاب بطريقة مهينة لتضحيات الجنود الأميركيين.
 
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن "طالبان" كانت تعي أن خرق الاتفاق كان سيقابل برد أميركي سريع وحازم. ولعل مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني وأبو بكر البغدادي على يد القوات الأميركية أكبر دليل على ذلك.
 
بين أسماك القرش ...
2- الدعوة للانتظار قبل الحكم على ما إذا كانت مهمة أميركا الطويلة في أفغانستان قد فشلت أم لا، خصوصاً أن "طالبان" ستجد نفسها أمام تحدي توفير الأمن والعمل للأفغان مع توقف المساعدات الأميركية. كما يتوجب عليها ضمان بقائها وهي تسبح في بحر من أسماك القرش، إذا جاز التعبير، على غرار باكستان والهند والصين وروسيا وإيران، ما يضطرها لإقامة علاقات مع واشنطن.
 
ولعلّ كيفية إدارة فريق بايدن للمرحلة المقبلة سيظهر من دون أدنى شك صحة اعتقاد الإدارة في أن الوجود العسكري في الشرق الأوسط ومحاولة بناء الدول ليست الطريقة المثلى لحماية أميركا من المخاطر الآتية من المنطقة.
 
إهداء أفغانستان إلى "طالبان"
3- إذا لم يكن بايدن يعي عواقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان فذلك مؤشر على عدم كفاءته. أما إذا كان يعيها وتشبّث بقراره فذلك يعني أنه لا يأبه للكارثة الإنسانية التي شارك في خلقها.
 
وعوض الإقرار بخطأه يلوم بايدن الجميع، سواء القوات الأفغانية التي قُتل أكثر من خمسين ألفاً من عناصرها في المواجهات مع "طالبان" منذ 2015 أو يعيد السبب إلى الاتفاق الذي وقّعه ترامب مع "طالبان".
 
ورغم أن سياسة ترامب تجاه أفغانستان كانت سيئة، إلا أنه ما كان ليسمح بخروجٍ مهينٍ لأميركا، كما أن قرار الانسحاب التدريجي الذي اتخذه كان مشروطاً باستقرار الأوضاع الميدانية، لكن إصرار بايدن على الخروج رغم ما تقوم به "طالبان" أعطاها الضوء الأخضر لشنّ هجومها المميت.
 
قد يكون صحيحاً أن ليس هناك حليف واحد للولايات المتحدة في العالم يمكنه الدفاع عن نفسه من دون مساعدة أميركا. ولذلك لدى الولايات المتحدة أكثر من 170 ألف جندي منتشرين في أكثر من 170 دولة حول العالم. ولكن إصرار بايدن على وقف دعم القوات الأفغانية والانسحاب الكامل قدّم أفغانستان هدية لـ"طالبان" التي ستحوّلها من جديد إلى ملاذ للإسلاميين المتطرفين والمتشددين.
 
إعادة النظر بفريق بايدن للأمن القومي
4- مطالبة بايدن بإجراء تغيير في فريقه للأمن القومي الذي أشرف على انسحاب أميركا الكارثي من أفغانستان. والأخذ في الاعتبار أن فريق بايدن يضم أشخاصاً لم يشغلوا مناصب دبلوماسية سابقاً وعلى رأسهم مستشاره للأمن القومي جيك سوليفان الذي فشل في ترجمة رغبة بايدن بالانسحاب إلى سياسة تجنّب أميركا تداعيات سيئة، وأنه كان على سوليڤان أن يعرض أمام الرئيس المخاطر المرتبطة بالخروج من أفغانستان بدل الانسياق خلف القرار ببساطة.
 
وبناء عليه، يجب على بايدن إعادة النظر في الأشخاص الذين سيتخذ معهم القرارات الكبرى في السياسة الخارجية والعمل على إصلاح الضرر الذي لحق بسمعة أميركا وصدقيتها على المسرح الدولي.
 
في المحصلة، بعدما نزعت إدارة ترامب الشرعية عن الحكومة الأفغانية وقامت بإقصائها وتفاوضت مع حركة "طالبان" الإرهابية ووقعت اتفاقاً معها، وقيام بايدن بدوره بسحب القوات الأميركية، ينبغي التمعّن بالنتيجة التي بلغتها الأمور وإلقاء اللوم على إدارتَي ترامب وبايدن مجتمعتين. ذلك أن سياسة الانسحاب التي تبنتها الولايات المتحدة تجعل المجتمع الدولي عموماً، وأميركا خصوصاً، أقل أمناً وستسهم في إطالة أمد الحروب وبث الرعب والفوضى وتغلغل الإرهاب من كل حدب وصوب.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم