إعلان

عرب الاستقلال والاستغلال

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الرئيس اللبناني ميشال عون
الرئيس اللبناني ميشال عون
A+ A-
وجّه الرئيس اللبناني ميشال عون مناشدة عاجلة للعرب لإنقاذ لبنان وجيش لبنان من الانهيار والمجاعة. وقبلها ناشد المجتمع الدولي إجمالا، وقوى كبرى تحديداً، تقديم الدعم المادي لإنقاذ بلاده.
 
الدولة الوحيدة التي لم تشملها الدعوة هي إيران التي تسببت أساساً في كل ما وصلت اليه البلاد، والتي يدين لها الرئيس وحلفه بمقاعدهم على طاولة الحكم.
 
المطالبة نفسها وبالطريقة نفسها وجهتها قيادتا "حماس" و"الحوثي" للمنظمات الدولية لإنقاذ بلدان عاثوا فيها فساداً وأدخلوها في صراعات خارجية لا ناقة لهم فيها ولا بعير، وداخلية لا مصلحة فيها إلا لتجار السلاح وغربان الحروب.
 
"القسمة الضيزي"
العجيب أن الذي يستجيب لهذه الدعوات يكتوي بنارها، ومن يتجاهلها يفوز بالرضا وتقبيل الأيادي والأقدام. فتلك الدول التي تجاوبت في الماضي والحاضر بتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية، بتوفير الطعام والعلاج والتعليم، بدفع الرواتب والأجور للعاملين عليها، بتعمير ما دمرته الحروب، وبضخ المليارات في خزائن الحكومات والبنوك المركزية لتسيير أمور الدولة، والتي تولت الوساطات والحملات الدبلوماسية لإيقاف الحرب وجمع التبرعات والدفاع عن المواقف والأخطاء، هي أكثر الدول تعرضاً للجحود والإساءة والنقد. فيما يتوجه الشاكرون والحامدون لمن وفر السلاح ودعم القضية بالظواهر الصوتية واستخدمها لتحقيق أجنداته الذاتية ... "تلك إذن قسمة ضيزي"!
 
أسرار الاستمرار
لا أدري حقاً كيف يتوقع أصحاب المناشدات أن يجدوا التعاون من الداعمين، وقد تكشفت عوراتهم وكشوفات حساباتهم، وعرف القاصي والداني أنهم سبب المشكلة؟ كيف للعالم أن يكرر أخطاءه بتقديم "العون" لمن ثبت لديه فسادهم ونهبهم للمعونات السابقة وبيعهم للبلد بأسره، وانقيادهم لمطايا إيران، وتبنيهم لجماعات مصنفة دولياً إرهابية، بل ومشاركة ممثلي هذه الجماعات في الحكم، إن لم يكن توليهم له، علناً وليس سراً؟
 
هل بلغ بهم اليأس أن يكرروا "الشحاذة" مرة بعد أخرى، وأن يطرقوا الأبواب التي لم تعد تفتح لهم، بعد انكشاف أنهم لصوص وأثرياء، لا فقراء مدقعين، مراراً وتكراراً، لعل وعسى؟ هل ما زالوا يحسبون أن ورقة الزيتون التي طالما تغطوا بها لا تزال تخفي مساوئهم، والمناصب التي يتقلدونها تخفي ارتزاقهم للغير، والأعلام الوطنية التي يتدثرون بها تحجب عبوديتهم للولي الفقيه؟ أم أن الهدف من نداءات الاستغاثة إقناع الشعب أن القيادة يهمها أمره وتفعل ما بوسعها لإنقاذه؟ وأن لديهم قناعة بأن المواطن ما زال مخدوعاً بهم، لم يكشف أمرهم، وعنده أمل فيهم، ولو ضعيفاً؟
 
الثابت والمتحول
ربما كل ما سبق، أو بعضه، أو أن هناك أسباباً أخرى لا تخطر ببال عاقل، لا يهم. ففي المحصلة، لن يتقدم العالم خطوة لإنقاذ قباطنة تسببوا بإغراق سفن بلادهم، وسيركز على مد اليد لمن يتمكن من إنقاذهم من الركاب في لجّة البحر العاصف. وسيطالب، ويضغط على القادة ليغيروا أو يتغيروا، ويخيرهم بين جزرة الانقاذ أو عصا العقوبة.
 
المأساة الحاكمة الثابتة بغض النظر عن المتغيرات، هي أن الأمم التي استمرأت الاتكال على الغير، والانتماء لهذه العقيدة أو تلك الطائفة، لهذا البلد أو ذلك الحزب، ستبقى مكونات متناحرة، متضاربة المصالح والاتجاهات، لا دولة واحدة، تمثل وتحكم وطناً واحداً. وسيبقى المواطن ملتزماً جماعته، ناصراً ومنتصراً لها على حق أو باطل. وسيعطي صوته وذراعه، ويسلم عقله وإرادته لمن يمثلها أياً كان برنامجه أو تاريخه أو شخصيته. وسيجحد ويرفض غيره من الجماعات الأخرى، بغض النظر عن كفاءته أو برنامجه أو إنجازاته. فالولاء للعشيرة السياسية أو الطائفية محتوم، والإنتماء لها مقسوم.
 
لبنان الولاءات
لبنان، مثلاً، منذ الاستقلال وحتى اليوم، مرتبط ولا يزال ببلد الانتداب، فرنسا، ارتباطاً سياسياً وثقافياً واقتصادياً. وما زال كثير من قياداته تنتمي اليه وتحمل جنسيته إضافة الى اللبنانية. كما يرتبط بعض آخر بالبلدان التي حكمت من قبل، تركيا وسوريا، عرقياً ومصلحياً. وهناك من يرتبط حزبياً بحكومات ساهمت في تأسيسه ودعمه تاريخياً، في بلاد الشام والرافدين والمغرب العربي والخليج. وهناك من خرج من دائرة العروبة كلية ليرتبط بالشيوعية العالمية واليسار الدولي من الاتحاد السوفياتي ثم روسيا، الى كوبا وفنزويلا.
 
ومنذ الثمانينات من القرن الماضي، دخلت إيران على الخط، هذه المرة بلواء العقيدة والطائفة، فأنشأت "حزب الله" ليمثل مصالحها وحدها، بديلاً لـ"حركة أمل"، التي تبنت تمثيل الطائفة الشيعية مع التزامها العروبة والوطن. ومن خلال الحليف السوري تمكنت طهران من توفير الدعم اللوجستي والعسكري لحزبها وصولاً الى مستويات غير مسبوقة، أستمرت حتى بعد اتفاق الطائف وسحب السلاح من المكونات الأخرى، بدعوى مقاومة اسرائيل.
 
الموالاة على المكشوف
وبعكس الأحزاب الأخرى، لم يتورع الحزب الإيراني عن إعلان انتمائه وولائه لدولة أجنبية، وتلقيه الدعم المباشر منها، والدفاع عن مصالحها وتنفيذ أوامرها وخدمة أجندتها في لبنان والمنطقة. فهذا الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، يعلن في خطاب جماهيري متلفز أن هدفه ليس أن يكون لبنان دولة مستقلة، ولكن ولاية من ولايات الجمهورية الإسلامية الايرانية. وفي خطاب آخر يكشف بفخر واعتزاز، أن كل دخله وسلاحه يأتيه مباشرة من إيران.
 
هذا الحزب الذي يفاخر بخيانته الوطن، ومشاركته في صراعات خارجية بالمعسكر الإيراني، يزج أيضاً بالمواطن اللبناني في أتون عمليات إرهابية وإجرامية ومع عصابات مخدرات وغسيل أموال دولية، ليدفع البلد من سمعته وعلاقاته ومصالحه، الثمن.
 
فلسطين الانتماءات
ولبنان ليس وحده في تعددية الانتماء، فالفلسطيني، رغم وحدة العرق والمذهب، توزعت ولاءاته بين المخلصين لقضيته والمزايدين عليها، وألف الاعتماد على القوى الخارجية لحل مشاكله الداخلية، وتحرير وطنه. والتماثل هنا كبير، رغم الاختلاف. فلا يزال الارتباط قوياً بالولاة السابقين، من تركيا الى بريطانيا، والحاليين، من مصر الى إيران.
 
ولا يزال الدعم العربي، وبخاصة الخليجي والمصري، هو النهر الجاري الذي يستقي منه المواطن الفلسطيني وتتعيش منه القيادة. ولا يزال أكثر المغتربين يقيمون ويعملون في البلدان العربية، بخاصة المجاورة، وتحويلاتهم واستثماراتهم رافد مهم للنهر العربي.
 
ونتيجة لهذا الارتباط العضوي السياسي والمادي، العقائدي والاجتماعي مع جهات عدة، تتفق وتختلف، بخاصة بين العربي منها والعجمي، في التوجهات والأهداف، أصبح الفلسطيني كاللبناني، يتطلع دوماً الى الخارج لحل مشكلة الداخل، ويطالب العالم بالاستماع الى صوته، رغم تناقضه مع أصوات زملائه، ودعم موقفه رغم تضاربه مع مواقف رفاقه. وعندما لا يصل العون له، كما حدده هو، يتهم العرب بالتصهين، والعالم بالتجاهل، ويعزف على وتر المظلومية.
 
عقاب المخلصين
وكما في لبنان، يكرر القادة الفلسطينيون النداء للعرب بالدعم والإنقاذ، ويعاقبون من يفعل بفسادهم وجحودهم، والتحالف مع من يمدهم بالسلاح والظواهر الصوتية ضد من يدعمهم بالمال والتنمية والدبلوماسية. تخرجهم السعودية ومصر من حرب مدمرة ابتدأوها، ويبادر العرب لإعادة بناء ما تهدم، فيتهمونهم بإنقاذ العدو من نصر محتوم، والتجسس على غزة، والتآمر مع الغرب وإسرائيل على بيع "القضية". وفي المقابل يوجهون الشكر والامتنان لولاة الأمر في إيران وتركيا، وحلفائهم، أعداء الأمة، "حزب الله" و"الحوثي". ثم يستغربون، بكل براءة، التحولات في الوعي العربي ضدهم، والانشغال بقضايا عربية ووطنية أكثر الحاحاً وأقرب تأثيراً.
 
الاستقلال لا الاستغلال
أقول لهؤلاء المتواكلين، إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. وإن الشعوب التي حررت نفسها من المحتل والمستعمر لم تعتمد على غيرها. قاتل الشعب الجزائري عقوداً حتى انتصر. وقاوم الهنود والفيتناميون والأفارقة والأفغان أعظم الإمبراطوريات الغربية والشرقية، باتحاد صفهم واعتمادهم على أنفسهم فانتصروا.
 
واليوم، يملك الفلسطيني واللبناني والعراقي والليبي واليمني كل ما يحتاجه ليقاوم بإمكاناته الذاتية، وبدعم أخوته في المهجر. وسيجدون، كما وجدوا خلال الانتفاضات والثورات القليلة والقصيرة التي قاموا بها، كل الدعم من الرأي العام العربي والدولي. ولن يستطيع عدوهم أن يتهمهم بأنهم مرتزقة أو مطايا في خدمة أجندات خارجية.
 
هذا هو الطريق لشعب أراد الحياة: الوحدة، الوطنية، والثورة. أما التواكل على الآخرين فنهايته محتومة مجربة ... الاستغلال لا الاستقلال.
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم