إعلان

العرب... الى الشرق دُر!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
توقيع اتفاقات سعودية - صينية في 2019
توقيع اتفاقات سعودية - صينية في 2019
A+ A-
كان تحولاً مفصلياً في وجود الاتحاد السوفياتي في المنطقة العربية، والخليجية بخاصة، عندما قطع الملك عبدالعزيز علاقة بلاده بموسكو رغم أنها كانت أول من اعترف بمملكته بعد دخوله الحجاز عام 1926، وعينت سفيرها المسلم كريم حيكموف. والسبب، أن السفير، الذي أصبح صديقاً مقرباً من الملك، تم استدعاؤه الى بلاده عام 1938 ومحاكمته عسكرياً ثم إعدامه بتهم ظالمة، خلال التصفيات الجسدية للمنافسين التي قام بها في تلك المرحلة الأمين العام للحزب الشيوعي ورئيس الوزراء جوزف ستالين في طريقه للقمة، وذهب ضحيتها الآلاف.
 
الشريك الأميركي
أستثمرت الولايات المتحدة ضعف الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، وملأت الفراغ الذي تركته لندن في العديد من مناطق العالم الاستراتيجية، ومن بينها الخليج العربي. وبعد الاتفاق الذي وقعته شركة "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا" للتنقيب عن النفط في شرق المملكة، واكتشاف الزيت بكميات تجارية عام 1939، التقى الرئيس الأميركي روزفلت عام 1945 بالملك السعودي على ظهر المدمرة الأميركية "كوينزي" التي حملته من مؤتمر يالطا مع حليفيه ضد النازية، تشرشل وستالين. وتم خلال هذا اللقاء التاريخي وضع الأسس التي قامت عليها الشراكة السعودية - الأميركية لثمانية عقود. كما اقتنع الرئيس بطرح الملك عبدالعزيز للقضية الفلسطينية، فوعد أن لا يتم اتخاذ أي موقف لبلاده إلا بعد التشاور مع العرب، وأكد ذلك بعد عودته لواشنطن برسالة رسمية وجهها إلى الملك.
 
وصف الملك عبدالعزيز لمستشاريه بعدها، كما يروي مترجمه وسكرتيره عبدالله بلخير في كتابه "الشيخ عبدالله بلخير يتذكر"، أن الفرق في العلاقة مع بريطانيا وأميركا، أن الأولى صديقة، والثانية شريكة. والشريك يتقدم دوماً على الصديق. كما سبق أن اوضح لهم أن الأمم التي تبلغ القمة، كالإمبراطوريات الأوروبية، ليس أمامها إلا الهبوط. بعكس الصاعدة، كأميركا. ولذلك، اختار الشراكة معها.
 
الأمن لحماية النفط
كانت العلاقة بين البلدين، كما بين واشنطن وإمارات الخليج التي استقلت تباعاً في الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، تقوم على أسس أهمها مساعدة هذه الدول في مشاريعها التنموية الطموحة، وفي الدفاع عن نفسها ومكتسباتها، وتأمين خطوط الملاحة البحرية في الخليج والبحر الأحمر، مقابل ضمانة توفير احتياجات الولايات المتحدة وحلفائها من النفط والغاز، والوجود الأمني والعسكري في منطقة استراتجية مهمة، يطمح المعسكر الشرقي للوصول إلى مياهها الدافئة بأي ثمن.
 
وهكذا انضمت هذه الدول تحت مظلة الحماية الأمنية لمعسكر "العالم الحر" الذي تقوده أميركا وبريطانيا وفرنسا، وتشترك فيه أوروبا الغربية وكندا ودول آسيوية كاليابان وأستراليا، وبعض دول أميركا الجنوبية وأفريقيا.
وساهمت بدورها في تأمين المنطقة الحيوية التي تمثلها ضد محاولات الشيوعية العالمية للتغلغل فيها، ومحاصرتها عبر التحالف مع دول ومنظمات في الهلال الخصيب واليمن الجنوبي وشمال أفريقيا ودول أفريقية مشاطئة للبحر الأحمر. وتحملت هذه الدول مسؤوليتها في الدفاع عن منطقتها.
 
صمود العلاقة
استمر هذا التعاون الاستراتيجي بين الخليج والغرب، واستفاد الطرفان منه خلال العقود الثمانية الماضية. فقد تخرّجت أجيال عربية من جامعات ومعاهد أميركا وأوروبا، وعملت شركات بناء ودفاع وطاقة في تنمية البلدان الخليجية، التي استوردت ما قيمته تريليونات الدولارات من المنتجات والخدمات الأميركية.
 
ولم تتأثر هذه العلاقة الوطيدة كثيراً بتبدل الإدارات في واشنطن. فمقابل خلافات حول القضية الفلسطينية، واستخدام سلاح النفط دفاعاً عن الحقوق العربية في الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، وقف الخليج مع أميركا صفاً واحداً في وجه الاتحاد السوفياتي، وحاربا معاً في أفغانستان عقداً كاملاً حتى تم تحريرها من قبضة موسكو، كما حاربا كتفاً بكتف لتحرير الكويت من الغزو العراقي.
 
أحداث أيلول (سبتمبر) والأوبامية
شهدت هذه العلاقات توتراً في الألفية الثانية، بخاصة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، واحتلال أفغانستان والعراق، ومشروع "الفوضى الخلاقة" لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وحتى مؤامرة "الربيع العربي" و"الاتفاق النووي" مع إيران. ومع ذلك، سرعان ما استعادت الشراكة قوتها من جديد في عهد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، خلال أربع سنوات فقط، ما يدل على أن سفينة العلاقة راسية رغم العواصف، وقادرة على استعادة توازنها بسرعة مع زوال الأسباب.
 
اليوم، يعود التوتر في العلاقة بعد تولي الرئيس الديموقراطي جو بايدن، وتوجه إدارته لوصل ما انقطع من سياسة الرئيس باراك أوباما الليبرالية، المناوئة للعرب، والمهادنة للفرس، وأولوياتها بالتوجه نحو الشرق، لمواجهة المد الصيني والروسي، وبالتالي الخروج العسكري من الشرق الأوسط الكبير، في أفغانستان والعراق وسوريا للتفرغ للمواجهة الجديدة، والاعتماد على إيران واسرائيل وتركيا في تأمين المصالح الأميركية في منطقة الخليج والجزيرة العربية وبلاد الرافدين.
 
ملالي الغرب
ولإشغال أكبر دول المنطقة، مصر والسعودية والإمارات عن مواجهة هذا المخطط، اشعلت إدارة أوباما نيران الصراع في ليبيا واليمن، وسمحت لإيران بتهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر. كما مورست الضغوط على هذه البلدان للتخلي عن حلفائها في مناطق الصراع لصالح الميليشيات الإيرانية والتركية وللتطبيع والتعاون الأمني والعسكري مع اسرائيل.
 
ولسوء حظ المتآمرين، فقد كانت هذه الدول أوعى وأقوى وأكثر تصميماً على التصدي لهذه المخططات مما كانوا يتوقعون. فقد تمكنوا من إسقاط المقاول "الإخواني" في مصر والسودان وتونس والمغرب، وأفشلوا الانقلاب الإيراني في البحرين، وواجه "التحالف العربي" الانقلاب الحوثي في اليمن. ويعملون معاً لدعم العراق واخراج سوريا ولبنان وليبيا والسودان من شبكة المتآمرين.
 
التنين الصيني
وفي المقابل، تطورت العلاقات مع الصين التي تحللت من أغلال الشيوعية الماركسية ونظامها الاقتصادي المحبط، وطورت نظاماً سياسياً واقتصادياً يوفق بين المبادئ الاشتراكية وقوانين السوق الحرة، بين الحكم الشمولي والتطور المدني، بين الانغلاق الداخلي والانفتاح الخارجي. وحققت هذه التركيبة نجاحاً تنموياً واقتصادياً فاق معدلات نمو الناتج القومي في الغرب بمراحل.
 
واليوم، تتسيد الصين أسواق العالم في كل المنتجات ما عدا العسكرية، ووصلت مركباتها الفضائية الى المريخ، وهيمنت على التقنيات الحديثة كشبكات الجيل الخامس وأجهزة الاتصالات والذكاء الاصطناعي، وبدأت تزحف على تطبيقات التواصل الاجتماعي وتغزو العالم السيبراني وتبدع في مجالات الطاقة المتجددة والاستزراع السمكي والمواصلات السريعة.
 
وعلى العكس من دول أوروبا، فالصين ليس لها تاريخ استعماري، بل تجاري، ولذا فقد سلكت في تعاملاتها مع بقية العالم طريق الغزو الاقتصادي وليس العسكري والثقافي، وسبقت الغرب الى الاستثمار في أفريقيا، خصوصاً في مجالات الطاقة والتعدين والبنى التحتية والاتصالات الخليوية، ولحقت به الى الشرق الأوسط، عبر التجارة البينية والاستثمارات الصناعية وشبكات 5G وطريق الحرير البري والبحري.
 
واليوم تمثل الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويُتوقع أن تتجاوز الولايات المتحدة خلال خمس سنوات، وثالث أكبر قوة عسكرية، تنمو بسرعة الصاروخ لتتجاوز روسيا، وتنافس أميركا خلال العقد المقبل، ورائدة وقائدة في الثورة الصناعية الرابعة. وهي أكبر مصدر للمنتجات ومستورد للطاقة من دول الخليج.
 
روسيا الجديدة
وبالمثل، تخلّصت روسيا من قيود الشيوعية الماركسية، وانضمت الى نادي الرأسمالية الديموقراطية، ولكن من دون الاحتفاظ بالمبادئ الاشتراكية والحكم الشمولي، أو المنافسة في مجالات الصناعة الاستهلاكية والتقنيات الرقمية.
 
واستمرت موسكو في التركيز على الصناعة العسكرية والنووية والفضائية والزراعية، والاعتماد على تصدير النفط والغاز والمعادن. والفارق الأهم، هو أن روسيا أكثر اهتماماً بالتوسع الجغرافي والهيمنة السياسية باستخدام فائض القوة العسكرية. ونشاطها العسكري في أوكرانيا وسوريا وليبيا وأذربيجان وتحالفاتها مع كوريا الشمالية وإيران وتقاربها مع الصين تكشف النزعة التوسعية لدى قادتها.
 
توافق المصالح
القوتان العظميان، الصين وروسيا، حرصتا على تطوير علاقاتهما بمنطقة الشرق الأوسط، وملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي والضعف الأوروبي. وجاء ذلك موافقاً لتوجه دول المنطقة لتنويع شراكاتها السياسية والعسكرية والتجارية. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن المسألة ليست إحلالاً أو استبدالاً، ولكن مزيداً من الاعتماد على النفس، والتكتل كمجموعة إقليمية تربطها مصالح مترابطة، وتتطلع لمستقبل أفضل، وتواجه مهددات أمنية وجودية.
 
وعليه، فقد كان لا بد من إعادة صياغة مفهوم التحالف، وخريطة التحالفات على ضوء الاستراتيجيات الأميركية الجديدة، والتجارب المريرة معها، والتحولات الدولية في موازين القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية. وبات من مصلحة العرب بعامة والخليج بخاصة المزيد من التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا، مروراً بالهند وكوريا الجنوبية واليابان.
 
الى الشرق دُر!
أسواق النفط والمنتجات البتروكيماوية والاستثمار الأكبر اليوم والمتوقع توسعها كلها مستقبلاً هي الآسيوية، وهي أكبر مصدر للمنتجات الاستهلاكية والاستثمارات الصناعية والتنموية. أما السلاح، فقد اعتمدت الدول الكبرى في المنطقة، مصر والسعودية والإمارات، سياسة التصنيع المحلي، والمشاركة في تطوير وانتاج السلاح المستورد، ونقل التقنية. وفي هذا المجال، فإن دول آسيا وروسيا والبرازيل وأفريقيا الجنوبية، وحتى أوروبا، أكثر تجاوباً وتعاوناً من أميركا. والصين تنتج اليوم 13 في المئة من الانتاج العالمي للسلاح وفي صعود مستمر تقنياً ونوعياً وكماً.
 
البوصلة العربية تتجه شرقاً، والغرب عموماً، وأميركا خصوصاً، تخسر مقاعدها العالية على طاولة الشراكة مع العرب. وتدخلاتها المستمرة في الشؤون الداخلية تحت شعارات ليبرالية ويسارية وحقوقية براقة، وإن كانت فارغة وساذجة، يفقدها ثقة الحكومات العربية. أما تخليها عن حلفائها وتآمرها مع أعدائهم، فقد أفقدها موقعها كحليف أول وشريك أكبر يمكن الاعتماد عليه. وربما احتاج خفض هذا التوجه استدارة كاملة للسياسة الأميركية، أو إدارة جديدة تعيدها الى العقيدة الترامبية، والواقعية السياسية، قبل فوات الأوان.
 
@KBATARFI
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم