الانتخابات المبكرة والفدرالية... بين الوهم والحقيقة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
هل الانتخابات المبكرة حل للمشكلة اللبنانية؟
هل الانتخابات المبكرة حل للمشكلة اللبنانية؟
A+ A-
لسنوات طويلة جداً حاول الشعب اللبناني إصلاح نظامه السياسي الذي ورثه عن أجداده. فهذا النظام يمزج بين الإقطاع والزبائنية في زمن العثمانيين لكنه يتعاطى المنشطات المذهبية والإجرام المنظم اللذين حوّلاه إلى وحش كاسر ينهش حتى أبناءه.
 
محاولات التغيير أخذت مع الوقت أشكالاً ووجوهاً عدة. فبعض الناشطين انخرط في أحزاب غير تقليدية تنادي بالإصلاح والتغيير، والبعض الآخر ذهب باتجاه المجتمع المدني والمنظمات الأهلية ليصطدم في النهاية بواقع أليم كون الأحزاب والجمعيات غير الحكومية وقياداتها هي في الحقيقة مجرد نسخة تايوانية مقلّدة للطبقة السياسية اللبنانية. بإزاء هذا الواقع المرير دأب البعض على المطالبة إلى حدّ الهوس بالإصلاح الانتخابي لتصحيح التمثيل السياسي في حين طالب البعض الآخر بما كان يعتبر "محرّماً" أي تطبيق الفدرالية واللامركزية في خطوة أولى على طريق مطلب الانفصال. 
 
إن الإصلاح الانتخابي من حيث المبدأ هو المسار المنطقي والسليم حيث يمكن للقوانين والدوائر الانتخابية المساس بمصلحة الأحزاب وحضّها على تغيير سياساتها أو على تغيير وضع لبنان وربما التحول إلى أحزاب حقيقية تطرح خططاً وبرامج سياسية عابرة للطوائف. لكن للاسف برهنت التجارب أن أي محاولات جدية لفرض قوانين انتخابية نيابية أو نقابية أو حتى على مستوى الجمعيات الأهلية من شأنها أن تُختطف من قبل السلطة السياسية وتُحول إلى أداة للقمع والتزوير كما حصل في الانتخابات النيابية التي أجريت عام 2018.
 
منذ صغري وأنا أسمع من الإصلاحيين أن أيّ قانون انتخابي يعتمد النظام النسبي من شأنه أن يؤمن وصول عدد من النواب الجدد وفتح الطريق أمام حقبة جديدة من العمل السياسي. لكن انتخابات 2018 برهنت عواقب هذا الوهم الإصلاحي حيث تمكن جبران باسيل بالتحالف مع سلاح "حزب الله" وفساد أقرانه في الحكومة من تمرير قانون نسبي مسخ لا يمت للإصلاح بصلة بل كانت له اليد الطولى في تسريع عملية انهيار ما تبقى من مفهوم الدولة.
 
وبعد فشل الانتخابات عاد الطرح الفدرالي إلى التداول كزورق نجاة حيث يعتبر بعض اللبنانيين أن اعتماد النظام الفدرالي من شأنه عزل "حزب الله" وسلاحه الإيراني في محافظة "اسبرطية" وجعل المناطق المحررة كأثينا المتنورة التي يديرها فلاسفة وأحفاد الشعوب السامية. قد تكون الفدرالية من أفضل الأنظمة السياسية الحامية للتعددية والتنوع حيث أن من يعتمدها من الأنظمة الغربية هو الأكثر تقدماً، لكن ما يغفل عنه دعاة الفدرالية في لبنان هو أن الفدرالية هي مرحلة متقدمة جداً من الحوكمة وليست جرعة سحرية لمأزقهم الحالي، بل إنهم يتناسون أن شروط الفدرالية تقضي بعدم وجود أي تنظيم مسلح يسيطر على قرار الدولة ويؤتمر من "الحرس الثوري" الإيراني.
 
الحل الفدرالي قد يكون حلاً لانتقال لبنان إلى مرحلة جديدة على غرار الإصلاح الانتخابي، لكن تلك النقلة النوعية غير ممكنة في حال أراد اللبنانيون الاستمرار بتجاهل واقع أساسي ألا وهو غياب الدولة والسيادة وهما عنصران ضروريان لتطبيق أي إصلاح سياسي أو اقتصادي. فمن يطالب بالفدرالية والانتخابات المبكرة متوهم بأن "حزب الله" وسلاحه المتحالف مع سلاح الفساد، وزعماءه يكترثون للقانون والدستور أو مستعدون للرضوخ إلى أي نظام أو قوانين حتى ولو كانت تلك القوانين صادرة عن مجلس نواب يمثلون فيه الأكثرية.
 
ثورة 17 تشرين لم تفشل، لسبب بسيط هو أن الطبقة السياسية اللبنانية بأكملها فشلت وستفشل في تقديم أي حلول وإصلاحات لحماية الشعب اللبناني من الفقر والموت القائم. وحين يطالب الساسة الثورة بتقديم برنامج عمل بديل وخطة واضحة لإنقاذ البلد على الثوار والشعب أن يرفضوا الدخول في هذه اللعبة وتقديم حلول وهمية كالانتخابات والفدرالية. المطلوب تطبيق الدستور واستعادة سيادة الدولة، عندها فقط تمكن مناقشة قوانين الشفافية والأملاك البحرية والبيئة وسائر المقترحات المطلوبة في لبنان الجديد.
 
الوهم هو أكثر الأسلحة فتكاً بلبنان، بدءاً من وهم الإصلاح ضمن هذا النظام السياسي وأسياده وصولاً إلى الوهم بأن تجاهل سلاح "حزب الله"  كافٍ لدرء شره والذي سيجعل المواجهة من أجل استعادة الدولة أكثر كلفة وقسوة.
 
 
* أستاذ تاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت
الكلمات الدالة