إعلان

تونس – إثيوبيا وقضية مياه النيل

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
نهر النيل
نهر النيل
A+ A-
تتعرض تونس، العضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى انتقادات واسعة من قبل إثيوبيا، التي يبدو من خلال التصريحات الرسمية الصادرة عن مسؤوليها أنها ترى في الخضراء طرفاً منحازاً إلى مصر في قضية سد النهضة وحصص مياه نهر النيل. فقد جاء في بيان رسمي صادر عن الخارجية الإثيوبية ما مفاده أن تونس بصدد ارتكاب أخطاء تاريخية من خلال إثارة ملف سد النهضة في مجلس الأمن ومطالبة الدول المعنية بالأزمة بضرورة الذهاب إلى مفاوضات تنتهي باتفاق ملزم للأفرقاء.
 
الإثيوبيون، ووفقاً لما يصدر عن جهاتهم الرسمية، يرون في تونس على ما يبدو بلداً غير مسؤول، وغير محايد في قضايا المنطقة، باعتباره، برأيهم، لا يمثل العالم العربي في مجلس الأمن، بل هو يشغل مقعداً للقارة الأفريقية وينبغي عليه أن يكون محايداً في أي خلاف بين الأفارقة في ما بينهم. وبالتالي فإن السلوك التونسي، الذي تم بمقتضاه إقحام مجلس الأمن في ملف سد النهضة، هو برأي أديس أبابا "زلة تاريخية" لا بد من تداركها وإصلاحها وإلا فإنها ستؤثر سلباً في المستقبل في العلاقات بين البلدين المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية.
 
لقد كان كل من تونس وإثيوبيا في زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، والإمبراطور هيلا سيلاسي، من أكثر بلدان القارة حرصاً على التضامن والوحدة بين الشعوب الأفريقية التي تخلصت من براثن الإستعمار الأجنبي، وعلى مد يد العون لمن كان يرزح في ذلك الوقت تحت وطأة الاستعمار حتى ينال استقلاله. وتوّج هذا التقارب التونسي - الإثيوبي مع بلدان أفريقية أخرى مثل غانا وليبيريا ودول أخرى، والذي بدأ منذ نهاية الخمسينات من القرن العشرين، بتأسيس منظمة الوحدة عام 1963 والتي أصبحت لاحقاً وبسعي من القذافي تسمى الإتحاد الأفريقي.
 
ولعل هذا الاهتمام التونسي بالقضايا الأفريقية، والذي ما زال متواصلاً إلى اليوم، وحرص الخضراء على علاقات جيدة ومتينة مع بلدان قارتها، هو الذي دفع بالخارجية التونسية إلى الرد على إثيوبيا، في بيان توضيحي هادئ ورصين، من دون الذهاب باتجاه التصعيد وقطع شعرة معاوية مع أديس أبابا. فقد عبّرت الخارجية التونسية عن استغرابها من تشكيك الإثيوبيين في التزام تونس بالدفاع عن القضايا الأفريقية في المحافل الدولية، مؤكدة أن ممثلي تونس في منظمة الأمم المتحدة اتصلوا بكل الأطراف المعنية طيلة المفاوضات المتعلقة بمشروع بيان مجلس الأمن، وذلك من أجل تقريب وجهات النظر وتعزيز دور الإتحاد الأفريقي.
 
إن إثيوبيا تخشى على ما يبدو من تدويل القضية، وترغب في بقائها في الإطار الأفريقي حيث نفوذها الحقيقي باعتبارها دولة المقر للاتحاد، وهو ما يجعلها تتصدى بشراسة لجهود كل من السودان ومصر للذهاب بالقضية إلى مجلس الأمن الدولي. ولذلك فإن ما قامت به تونس من إثارة للملف في مجلس الأمن، باعتبارها العضو غير الدائم في هذا المجلس، والشاغل لمقعد هو من حق القارة السمراء، يتعارض تماماً مع مخططات الجانب الإثيوبي وبرامجه، ولذلك قوبل بكل تلك الهستيريا من قبل أديس أبابا.
 
وفي المقابل يرى البعض أن إثيوبيا، منزعجة أساساً من مواقف سابقة للرئيس التونسي قيس سعيّد بشأن هذا الملف والذي كان قد عبّر عنها سواء خلال زيارته إلى القاهرة منذ أشهر، أو عند استقباله في تونس، قبل ذلك وزير خارجية مصر سامح شكري. فقد عبر سعيّد صراحة عن انحيازه لمصر من خلال دعم تونس الكامل لكل ما من شأنه الحفاظ على أمن مصر المائي وعلى الحقوق التاريخية لشعبها في مياه النيل، معتبراً أن أمن مصر المائي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
 
وبالتالي فإن المساعي التونسية في مجلس الأمن لإيجاد حل لأزمة سد النهضة، لم تكن، بحسب البعض، السبب في إثارة غضب أديس أبابا، بل كانت القطرة التي أفاضت كأساً ممتلئاً من سلوك سابق للرئيس التونسي في ما يتعلق بهذا الملف. فالأمر بات يقتضي التدخل والرد بخاصة وقد تجاوز مجرد التصريح إلى الفعل من خلال إثارة الملف في مجلس الأمن في وقت كانت فيه إثيوبيا ترغب في أن يقتصر الأمر على الاتحاد الأفريقي حيث لديها تأثير كبير باعتبارها دولة المقر.
 
والحقيقة أن موقف الرئيس سعيّد من هذا الملف ليس محل إجماع في تونس، فهناك من يساند الرئيس التونسي من دون شك، ويتعلق الأمر بالتيار القومي على وجه الخصوص وطيف مهم من أنصار ساكن قرطاج نفسه، وربما يمثل هؤلاء الأغلبية في الشارع التونسي، لكن هناك أيضاً من يعارضون هذا الموقف بقطع النظر عن أعدادهم. ويرغب معارضو قيس سعيّد في أن يقف رئيس الجمهورية التونسية على مسافة واحدة من الطرفين مع عرض خدماته للوساطة باعتبار أن إثيوبيا ليست عدواً، بل هي بلد يتشارك مع تونس في الانتماء الأفريقي ويتوجب أخذ ذلك في الاعتبار.
 
ويرى هؤلاء أن الموقف التونسي قد يقسم الأفارقة، حيث قد يشعر سكان جنوب الصحراء بأن عرب الشمال متضامنون في ما بينهم، ويناصبونهم العداء، وقد يسعون إلى التضامن بدورهم في هذا الملف على حساب الشماليين. وهو ما قد يلحق ضرراً فادحاً بالاتحاد الأفريقي الفاعل في مختلف القضايا التي تهم القارة، ويؤثر سلباً في نجاعته.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم