إعلان

"أوروبا الخائفة" تصفع بوتين ... والدب الروسي يبحث عن "أوراسيا"!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
فلاديمير بوتين وإيمانويل ماكرون
فلاديمير بوتين وإيمانويل ماكرون
A+ A-
في سبعينات القرن الماضي تساءل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر: بِمَنْ أتصل هاتفياً إذا أردتُ أن أخاطب أوروبا. وفي بدايات القرن الحالي رفضت ألمانيا وفرنسا الاشتراك بغزو العراق، فانهال عليهما وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد تقريعاً، معتبراً أنهما تشكلان "أوروبا القديمة" البائدة، في مقابل "أوروبا الجديدة" التي تمثلها دول أوروبا الشرقية والوسطى المنسلخة من سطوة الاتحاد السوفياتي المتحلل آنذاك، إلى الحضن الغربي (الأميركي). اليوم يبدو الانقسام الحاد بين أوروبا القديمة والجديدة قائماً تجاه العلاقات مع روسيا الاتحادية، إذ رفض قادة بولندا والسويد وهولندا ودول البلطيق، في حزيران (يونيو) الماضي، اقتراح المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والذي دعمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار النمسوي سيباستيان كورتس، عقد قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ فما كان من الكرملين إلا أن اتهم الأوروبيين بالعمل ضد روسيا. وبات التوتر سيد الموقف بين الروس والأوروبيين؛ بينما الشروخ عميقة في جدران البيت الأوروبي. فلماذا لطمت دول أوروبية بوتين، وماذا عن عزلة ألمانيا وفرنسا، وموقف أميركا والعملاق الصيني، وهل من فرصة لمد الجسور الروسية - الأوروبية من جديد؟.
 
لنكن منفتحين
كان الرئيس الروسي قد كتب مقالاً بصحيفة "دي تسايت" الألمانية، في 21 حزيران (يونيو) الماضي، في ذكرى الهجوم النازي على بلاده، بعنوان "لنبقَ منفتحين برغم الماضي"، أشار فيه إلى التدهور الشديد للعلاقات الأوروبية - الروسية، داعياً إلى تجاوز الجراح والخلافات، وأكد أن بلاده ليست خصماً لأوروبا، وطرح خيار إقامة "أوروبا الكبرى" الذي نادى به من قبل الزعيم الفرنسي شارل ديغول، ليس فقط جغرافياً "من الأطلسي حتى الأورال"، ولكن ثقافياً وحضارياً، من لشبونة حتى فلاديفوستوك، بحسب وصف بوتين الذي أشار إلى "صفقة القرن" عام 1970 بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا الغربية حول تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا، والتي وضعت الأساس للتكامل والاعتماد المتبادل، وكانت منطلقاً لمشاريع كبرى، بما في ذلك بناء خط أنابيب "السيل الشمالي". ودان بوتين مفرزات الحرب الباردة وخطورتها، ممثلة في توسع حلف شمال الأطلسي تجاه بلاده، قائلاً: "لا يسعني إلا القلق".
 
تعتبر موسكو تمدّد الحلف في مناطق نفوذها الجيوسياسي بمثابة تهديد للأمن القومي الروسي، وترى أن هذا السلوك الغربي العدواني يعرقل تحقيق حلم التكامل بين العالم الأوروآسيوي والعالم الأوروبي؛ ويدفن الآمال في مشروع "قارة واحدة"؛ لذلك اقترح بوتين إنشاء فضاء موحد للتعاون والأمن من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، بما في ذلك الاتحادان الأوروبي والأوراسي، في: الأمن والاستقرار الاستراتيجي، الرعاية الصحية والتعليم، الرقمنة والطاقة، الثقافة والعلوم والتكنولوجيا، والمشكلات المناخية والبيئية. على أن يكون هدفنا المشترك الذي لا جدال فيه ولا خلاف حوله هو ضمان أمن القارة من دون خطوط فاصلة، وإنشاء فضاء للتعاون المتكافئ والتنمية الشاملة، من أجل ازدهار أوروبا والعالم بأسره.
 
أوروبا الكبرى
دعوة فلاديمير بوتين للتكامل الروسي - الأوروبي، في إطار "أوروبا الكبرى"، من دون خطوط فاصلة، قوبلت بترحيب ألماني - فرنسي، تمثل في الدعوة إلى قمة أوروبية - روسية، بيد أن دول أوروبا الشرقية والوسطى رفضت الاقتراح، بل طالبت المفوضية الأوروبية بالتشدد مع موسكو، عبر مواصلة فرض العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية عليها. وقال رئيس ليتوانيا غيتاناس ناوسيدا، إن هذا الأمر مبكر جداً، لأننا لا نرى حتى الآن تغييراً جذرياً في سلوك بوتين، مبيناً أن الحوار، مع روسيا، من دون خطوط حمراء أو شروط مسبقة "إشارة سيئة للغاية".
 
وأعرب المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف عن أسفه لرفض مبادرة القمة الروسية - الأوروبية، وفرض حزمة عقوبات جديدة بحق بلاده، لافتاً إلى أن دولاً أوروبية تتحدث في شكل غير مبرر عن تهديد روسي مزعوم. بينما قالت الخارجية الروسية إن الاتحاد الأوروبي بات "رهينة لأقلية عدوانية"، داعية الأوروبيين للانغماس في النقاش مع موسكو بصيغ جديدة.
 
شهدت علاقات الاتحاد الأوروبي وروسيا تدهوراً، منذ اشتعال النزاع في أوكرانيا عام 2014، وضم القرم، إذ تعد هذه هي النقطة الخلافية الكبرى، ومذاك لم تعقد أي قمة بين الجانبين، لكن، ثمّة تيار أوروبي يتحدّث عن تحالف بقيادة ألمانيا وفرنسا، مع روسيا لتأسيس تحالف "أوراسيا"، على أساس التعاون لا الصراع بين القوتين، من دون انجراف إلى الصراع الروسي - البريطاني الذي يتصاعد يوماً بعد يوم، حيث تعمل ألمانيا وفرنسا على تأسيس جيش أوروبي لا يكون جزءاً من المنظومة العسكرية الأميركية؛ وتدركان أن واشنطن لا يمكنها إنقاذ أوروبا من هجوم روسي كاسح؛ لذلك بات الهدف البحث عن استراتيجية لحماية القارة العجوز، من دون الحاجة لأميركا، أي أن تتحول أوروبا إلى قوة قادرة على حماية نفسها من دون مظلة القوة الأميركية.
 
يأتي ذلك على خلفية المسافة المتسعة داخل الغرب، بين أوروبا التي تزداد "أوربة" وأميركا التى تزداد "أمركة"، منذ تحدث الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن عدم إيمانه بالدفاع المجاني عن العالم بما فيه أوروبا، وقبل ذلك وبعده تشعر واشنطن بالقلق من احتمالات عدم التعاون الألماني - الفرنسى معها، وعودة أوروبا إلى حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث هيمنة ألمانيا على القارة؛ من هنا أخذت واشنطن توثق علاقاتها مع الدول الاسكندنافية ودول شرق أوروبا وتحاول دفعها للانضمام إلى الناتو؛ للاقتراب جغرافياً من روسيا من دون الحاجة إلى ألمانيا وفرنسا.
 
مقولة كيبلينغ
يبدو أن مقولة كيبلينغ: "الغرب غرب، والشرق شرق ... لن يلتقيا"، ربما تتغير إلى: "الغرب ليس غرباً واحداً ... أوروبا أوروبا، وأميركا أميركا ... وقد لا يلتقيان". تحاول أوروبا التخلص من "عقدتها التاريخية" في العلاقة مع روسيا، إذ يسيطر على معظم دولها الخوف من موسكو، باعتبارها حضارة معادية لقيم الليبرالية والديموقراطية الأوروبية وأكبر تهديد أمني واستراتيجي قادر على غزو القارة العجوز واجتياحها عسكرياً، كما تبدو الخلافات الجيوسياسية، من أوراسيا إلى الشرق الأوسط والبحر الأسود وآسيا الوسطى خطوط تماس لمواجهة "شبه أيديولوجية" بين النخب الأوروبية والروسية.
 
يزيد الوضع تعقيداً أن طلاقاً بائناً بين أميركا وأوروبا القديمة والجديدة لم يحدث، فما زالت العلاقة بين شاطئي الأطلسي راسخة، وقيادة الكتلة الغربية بيد واشنطن، أما التقرب الغربي (المتحفظ) من روسيا، كالدعوة إلى عقد قمة أوروبية – روسية، فربما يكون محاولة لفصل روسيا واستمالتها، بعيداً من الصين التي يتضخم دورها في العالم في شكل متسارع؛ ومن هنا نفهم حاجة الغرب إلى تدفئة العلاقات مع روسيا. السؤال الذي يفرض نفسه: هل تنجح هذه الجهود في تقريب المسافات بين روسيا والغرب، خصوصاً أوروبا بالشكل المرغوب فيه، في ظل غياب مؤشرات موضوعية على ذلك؟
 
بالطبع ليس من مصلحة الولايات المتحدة - وحتى الصين - تحقيق الطرح الروسي، بشأن "أوروبا الكبرى"، لكن شق الصف الروسي - الصيني يتطلب تنازلات غربية، أولها التراجع عن العقوبات المفروضة على موسكو بسبب ضم القرم، وعدم السماح لأوكرانيا بالانضمام إلى الناتو، الذي تعتبره موسكو التهديد الرئيسي لها، ولو تحقق ذلك فإنه يفتح الباب للتفاهم حول تقنين أوضاع الحلف، وأخذ مخاوف دول "أوروبا الجديدة" بعين الاعتبار، وفقاً لتصنيف رامسفيلد، وبالطبع سينعكس ذلك على قضايا السياسة الخارجية، كأزمات الشرق الأوسط.
وهذا حديث آخر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم