إعلان

القضاء اللبناني... في الميزان

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
تعبيرية...
تعبيرية...
A+ A-
خلال الأسبوع الفائت، مرّ لبنان بحفلة جنون جديدة بطلتها هذه المرة مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، والتي ضربت القوانين والإجراءات القانونية بعرض الحائط عبر سقوطها المدوي من على قوس المحكمة المكلل بعبارة "العدل أساس الملك" في حلبة السياسة الشعبوية ومدافعتها عن رموز الفساد تحت ذريعة مكافحة فاسدين لا ينتمون إلى عشيرتها السياسية.
 
والحق يقال، إن القاضية غادة عون، في نسختها السابقة، أي ما قبل عام 2016 موعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، كانت من القضاة البارزين المشهود لهم بالاستقلالية والحيادية والنزاهة واللياقة وآداب المجتمع. لكن القاضية عون نفسها التي ظهرت عبر وسائل الإعلام مؤخراً وهي تتحدى مجلس القضاء الأعلى لم ترقَ إلى هذه السمات بل وأكدت المؤكد. فأي خطة إنقاذية لتغيير الواقع اللبناني لن تطاول القضاء اللبناني الذي أصبح جزءاً من المشكلة وليس الحل.
 
بطبيعة الحال، القضاء اللبناني ليس بمجمله على شاكلة القاضية عون واندفاعها غير القانوني، لكن البيئة اللبنانية الموبوءة تسرّبت إلى قصور العدل حيث أصبحت القوة، وليس القانون، هي الثقافة السائدة، وأصبحت عون وأقرانها من القضاة الخارجين عن الأصول متربعين على أقواس المحاكم وليس قضاة وأساطير العدالة في لبنان أمثال الرئيس الراحل يوسف جبران وفيليب خير الله وآخرين علّموا أجيالاً من رجال وسيدات القانون على التواضع والنبل.
 
يوسف جبران المحامي والقاضي ورئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل الذي ولد عام 1921 أي بعد عام من إعلان دولة لبنان الكبير لم يكن من القضاة الذين يحبون الأضواء والبطولات كما هو حال البعض في أيامنا هذه، بل كان مثالاً يُقتدى به في الأخلاق والتعفف خلال مسيرته القضائية، وحتى بعد تقاعده حيث عاد آنذاك إلى مهنة المحاماة. العدالة ليست نصوصاً بل هي نفوس، والرئيس يوسف جبران هو خير مثال على ذلك. فأثناء ترؤسه للقضاء كان يهذّب نفوس القضاة المتدرجين ويوجههم مثلاً إلى أن القاضي ليس مجبراً على العبوس على قوس المحكمة بل إنه يمكنه أن يرسم البسمة على وجهه ويكون حكمه في الوقت نفسه عادلاً وصارماً كالسيف. وبالنسبة إلى جبران كان الناس دائماً سواسية في الحقوق والواجبات ولم يعطِ يوماً اهتماماً لعلياء القوم على حساب الفقراء.
 
بعد أحداث 1958 والقتال بين الأطراف اللبنانية، وقف أحد اللبنانيين أمام القاضي جبران بتهمة حيازة السلاح من دون رخصة، فما كان من القاضي إلا أن أطلق سراح المدعى عليه مستنداً إلى مبدأ عجز الدولة عن ملاحقة كبار تجار السلاح واقتصار سلطتها على الصغار والضعفاء فقط.
 
بعد تقاعده وأثناء ممارسة مهنة المحاماة لم يستخدم جبران ألقابه السابقة في سبيل جني الثروات، بل على العكس كان أكثر تواضعاً، حتى أنه رفض مرّة أن يدخل مكتب أحد القضاة من تلامذته - والدي القاضي غسان رباح - من دون الاستئذان وإن كانت رتبته وأخلاقه يتيحان له خلع الأبواب إن أراد هو ذلك.
 
غادة عون التي نعتت الثورة اللبنانية "بالزبالة" قررت أن تعيّن نفسها قائدة الثورة على الإصلاح القضائي متسلّحة ببعض الانتهازيين وأنصار أحد أكبر رموز الفساد في لبنان الوزير السابق جبران "ماغنتسكي" باسيل لتجعل من القضاء اللبناني أضحوكة أمام العالم.
 
في كليات الحقوق اللبنانية يتعلم التلميذ أن القاضي ملزم بالاختصاص المكاني والوظيفي، كما يُلقَّن الأغرار أهمية أصول المحاكمات المدنية والجزائية التي، في حال عدم تطبيقها بحذافيرها، تعرّض القضية للبطلان. لكن على ما يبدو أن هوس خلع الأبواب لدى البعض منهم أنستهم أسس القانون بل وجعلت منهم مجرد نسخة من الخارجين عن القانون الذي يزعمون محاربته.
 
ولصديقي - الذي يحمل اسم جده العظيم - الذي كان يقطن في حي السراسقة في الشطر الشرقي لبيروت وكان يساعد تلك المرأة الطيبة آنذاك القاضية غادة عون، التي كانت تقود سيارة رمادية صغيرة، على حمل البقالة والأغراض إلى منزلها الملاصق لمنزله لتتكرم عليه بالحلوى والمرطبات الباردة في فصل الصيف، أقول إن السنوات قادرة على إفساد البعض وتحويلهم من سيف الحق إلى أصفاد القمع والظلم فقط من أجل الإبقاء على أصنام مصنوعة من الأكاذيب والأوهام ومن أجل لبنان الذي كان يشبه يوسف جبران ويشبه اليوم للأسف "الرئيس(ة) عون".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم