اختراقات سعودية في قمة العشرين ...!

المصدر: النهار العربي
سليمان العقيلي
قمة العشرين برئاسة السعودية
قمة العشرين برئاسة السعودية
A+ A-
يلتئم اليوم شمل قادة أقوى 19 دولة صناعية وصاعدة إضافة الى الاتحاد الأوروبي في اجتماع عبر الفيديو يعد أهم الاجتماعات الاقتصادية بعد الأزمة الإئتمانية عام 2008 بل وربما منذ الأزمة المالية العالمية 1929، وذلك بسبب وباء كورونا المستجد الذي يضرب العالم ويرخي بذيوله على الاقتصادات الدولية.
 
عندما تفشى الوباء في أغلب دول العالم في آذار (مارس) الماضي، دعا العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الى قمة استثنائية في 26 من الشهر نفسه، وهي القمة التي بادرت الى اتخاذ إجراءات مواجهة الأزمة الماثلة والتي تسببت في إيقاف الدورة الاقتصادية في معظم الدول الصناعية بسبب الإغلاق.
 
وقد نجحت تلك القمة في إطلاق خريطة طريق للتعاون الدولي في مواجهة الوباء شملت قائمة بالإجراءات الصحية اللازمة، والعمل على ضمان التمويل الملائم لاحتواء الفيروس ومشاركة المعلومات بصورة آنية وشفافة، وتبادل البيانات المتعلقة بعلم الأوبئة والبيانات السريرية، والمواد اللازمة لإجراء البحوث والتطوير، وتعزيز الأنظمة الصحية العالمية، إضافة إلى توسيع القدرات الإنتاجية لتلبية الطلب المتزايد على الإمدادات الطبية، وضمان إتاحتها على مدى واسع وبأسعار ميسورة والدعم الكامل لمنظمة الصحة العالمية، وتعزيز صلاحياتها، والعمل في شكل عاجل لسد فجوة التمويل في خطتها الاستراتيجية للتأهب والاستجابة.
 
وقد التزم القادة بتقديمات مالية مرتفعة، من أهمها التعهد بإنفاق أكثر من خمسة تريليونات دولار (أصبحت لاحقاً 11 تريليون دولار) لإنعاش الاقتصادات العالمية والنهوض من الركود. كما التزموا دعم وتمويل الأنظمة الصحية الهشة وتطوير بحوث اللقاحات بنحو 27 مليار دولار، وقرروا تعليق سداد خدمة الديون للدول الفقيرة التي وصلت أرقامها قبيل انعقاد هذه القمة الى 14 مليار دولار استفادت منه 46 دولة. كما التزمت المجموعة بدعم تمويلي للدول الفقيرة مقداره 230 مليار دولار تحقق منها حتى الآن 75 ملياراً.
 
باختصار يمكن القول إن قمة آذار (مارس) الاستثنائية في مجملها بلورت منهج التوازن بين الصحة والاقتصاد وتفادت الاختلالات التي حصلت في بداية الجائحة بسبب الانحياز للخيار الصحي وهو الإغلاق. وبالفعل وبعد أسابيع قليلة من القمة بدأت الدول في رفع الإغلاقات وتحركت الاقتصادات الوطنية والدولية وارتفعت أسعار النفط الى الأربعين دولاراً للبرميل بعد أن تراجعت لما دون العشرين.
 
ولكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهج سياسة انعزالية ولم يلتزم العمل الجماعي الذي شددت عليه القمة. بل انه انسحب من منظمة الصحة العالمية في ظل ضربات الجائحة. وكان هذا جزءاً من سياسة الفوضى التي اتسمت به معالجاته للوباء داخلياً وخارجياً، وتسبب بخسارته التجديد لدورة ثانية.
 
اليوم تُعقد القمة في ظل الانعزالية الأميركية، بل وأكثر من ذلك في ظل رئيس منصرف، لذا فإن ترامب ربما يشارك في القمة كمتفرج، فهو لا يمكنه التعاون مع الأسرة الدولية لما تبقى له من شهرين وهو الذي لم يرغب بذلك في بداية السنة. لكن القمة أثبتت أنها تستطيع عمل الكثير للعالم حتى من دون القيادة الأميركية. وقد أثبتت القمة الاستثنائية لـ"العشرين" ذلك بكل جلاء.
 
ومن المتوقع أن ينضم الرئيس المنتخب جو بايدن الى خريطة طريق القمة للانعتاق من الوباء بعد انتقاله إلى البيت الأبيض، فالديمقراطيون حريصون على التعاون الدولي والعودة إلى الدور القيادي لواشنطن.
 
وتعالج قمة العشرين اليوم التحديات التي تقف في وجه النمو الاقتصادي وأثار الوباء على المجتمعات. ومن أهم القضايا التي تلح عليها رئاسة القمة (السعودية) قضية الديون، وكانت حريصة على تمديد تعليق سداد خدمة الديون لسنة أخرى (2021) لكن الاعتراضات الصينية وتمنعها جعلتا التعليق يقف عند ستة أشهر (حتى يونيو المقبل) مع وعد بالتمديد لمثلها في الربيع المقبل أثناء اجتماعات صندوق النقد الدولي في حال استمرار الأزمة وقبلت السعودية بهذا الخيار الوسط. وهو سيكون من قرارات القمة.
 
ومن المكاسب التي حققتها الرئاسة السعودية الموافقة على مبادرة تحمي النفط من حرب عالمية، حيث أقرت اللجنة الوزارية للطاقة نهج الاقتصاد الدائري للكربون (CCE)، والذي يرمي لردم الهوة بين القوى الدولية الداعمة للبيئة ولوبيات (النفط). وتعتمد المبادرة على تعزيز استقرار وأمن الأسواق والوصول إلى الطاقة مع الإدارة الشاملة للانبعاثات، إضافة إلى تعزيز أنظمة طاقة أنظف وأكثر استدامة. كما تعتمد على تقليل وإعادة استخدام وتدوير وازالة الانبعاثات مع الاعتراف بأهمية الطاقة النظيفة.
 
واعترف وزراء الطاقة لمجموعة العشرين بالنهح الجديد، قائلين في بيانهم، "ندرك أن الاقتصاد الدائري للكربون هو نهج كلي وشامل ومتكامل وواقعي لإدارة الانبعاثات، ويمكن تطبيقه بما يتماشى مع أولويات وظروف البلد".
 
وبهذا تتفادى السعودية وزميلاتها في "اوبك" وروسيا والشركات الأميركية حرباً شعواء تقودها جماعات البيئة وداعميها. وكانت "أرامكو" السعودية (أكبر شركة نفطية في العالم) أول المرحبين بالتفاهم الدولي الجديد الذي يستجيب لبواعث قلق "لوبيات" البيئة وفي الوقت نفسه لا يلغي الوقود ذو الانبعاثات من مستقبل الطاقة.
 
وكان وراء اجتراح هذه المبادرة مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية في الرياض الذي قاد جهود دليل الاقتصاد الدائري للكربون، أثناء مشاركته في اجتماعات مجموعة العلوم، ويُظهر هذا الحل التزام رئاسة المملكة العربية السعودية بحل تحديات الطاقة على المستوى العالمي.
 
ومجموعة العلوم هي واحدة من ثماني مجموعات تمثل نخبة المجتمع المدني في دول مجموعة العشرين هي مجموعات: الأعمال، الشباب، المجتمع المدني، العمال، الفكر، المرأة، العلوم، المجتمع الحضري.
 
ويمكن القول إن اجتماعات هذه المجموعات ولجانها والتي شارك في كل واحدة منها ما بين عشرة آلاف الى عشرين الف عضو من نخبة العلماء والمفكرين والناشطين ورجال الأعمال والمهندسين في جميع دول "العشرين" شكلت ذخائر فكرية مهمة لمجموعة العشرين. وقد اكتسبت السعودية بمؤسساتها الرسمية ومجتمعها المدني خبرات مهمة من هذه الاجتماعات لم تكن لتتوافر لولا تنظيمها القمة. وستنعكس هذه النتائج والخلاصات والخبرات على المشروع التنموي السعودي ورؤية 2030، فقد أصبحت لقاءات العشرين رافد خبرة ومنهل علم للخبراء السعوديين وللإدارة السعودية.
 
صحيح أن السعودية فقدت فرصة تقديم نفسها لساسة العالم وللاعلام الدولي، لكن الصحيح أن الفرصة ستكون أفضل عندما تنجز البلاد مشروعات وبرامج الرؤية بعد سنوات قليلة، وعندما تنطلق شبكة قطارات الرياض للعمل في 2021 وتنجز بوابة الدرعية الثقافية التراثية عمرانها ويكون مشروع القدية (غرب الرياض) - أكبر مدينة ترفيهية في الشرق الأوسط - حقيقة ماثلة.
 
كاتب سعودي 
 
الكلمات الدالة