إعلان

بيروت العمائم السود

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
من اشتباكات الطيونة في لبنان
من اشتباكات الطيونة في لبنان
A+ A-
في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) كان يوجد صحافي غربي في ضيافة أحد أطراف النزاع. قفز الصحافي من مقعده خائفاً بعد أن سمع انفجاراً قريباً، فطمأنه الزعيم بأن الاستهداف لن يصل إليهم. وفسر ذلك أنه في لبنان، تُقتل الخيول ويسلم الخيالة.
وبالفعل، فتاريخ الصراعات في بلد الأرز يشهد بسلامة زعمائها، ما عدا تلك الاغتيالات التي نفذت بتوجيهات أجنبية، سورية، إسرائيلية، إيرانية أو فلسطينية. أما الطوائف فتقاتل بالجند والأتباع، ويبقى ملوكها في قلاعهم سالمين.
 
زوبعة في فنجان
تذكرت ذلك وأنا أطمئن زميلة لبنانية قلقة من اشتباكات 14 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري في الطيونه، وأكدت لها أن أي حرب غير محسوبة، قد تؤدي الى تدخلات أجنبية، وتربك مصالح ملوك الطوائف وداعميهم في الإقليم والعالم. ولذلك فهم يسعون دوماً الى حالة احتقان، يديرون خلالها الصراع الظاهر والخفي، ويستعرضون عضلاتهم وقدرات داعميهم، ثم يعود الحال الى سابق عهده، بعد تحقيق توافقات وتنازلات لصالح الأقوى والأشجع. ففي نهاية المطاف، كل الرؤوس مستفيدة من حالة أمن ولو في حدها الأدنى، تسمح لهم بالحفاظ على السلطة والمصالح الخاصة.
 
هونغ كونغ إيران
وإيران تستفيد من لبنان أكثر مما كانت الصين تستفيد من هونغ كونغ. فسويسرا الشرق بالنسبة إلى طهران تشكل مركزاً دولياً، شرعياً، ومنطقة اقتصادية حرة، تمرر من خلالها عملياتها المالية وتمارس أنشطتها الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية، في ظل حصار اقتصادي ودبلوماسي، إقليمي ودولي خانق. وبيروت تحوّلت منفذاً بحرياً وجوياً للتهريب وغسيل الأموال، وقاعدة عسكرية متقدمة، ومنطلقاً للعمليات الإرهابية والتدخلات الأجنبية ومناكفة إسرائيل. وهذا كله تحت مظلة حكومة شرعية معترف بها، وضمن نظام دولي مفتوح، تكون اليد العليا فيه لعملاء إيران. وهو ما لن يتحقق في حال استولت من خلال ذراعها "حزب الله" على السلطة، أو أدخلت الدجاجة التي تبيض ذهباً الى أتون صراع متفلت بلا حكومة ولا نظام ... ولا شرعية.
 
كارثية الاستمرار
"المشكلة يا ميريام ليست في انفجار الوضع ولكن في بقاء النار مشتعلة تحت الرماد، واستمرار التردي في الأحوال المعيشية، والتسلط الذي تمارسه الفئة الأقوى على الفئات الأخرى. المصيبة في بقاء الحال على ما هو عليه، بلد منقسم على نفسه، وشعب متشعب، وسلطة موزعة بين الأقطاب. والنتيجة الطبيعية هي هذا التصلب في شرايين النظام، وهذا النزيف الاقتصادي، وهذا الامتصاص المتواصل لدم الشعب، والتعدي المقنن على مدخراته وحقوقه".
 
وعليه، فربما كان انفجار يقوده الشعب أجدى من استسلام للوضع الراهن، والقبول بالمسكّنات التي تخفض درجة الحرارة من الغليان القاتل، الى الارتفاع المؤدي إلى الموت البطيء. ولا أمل في تحقيق أي تغيير جذري في المجتمع الدولي، فطالما لم تمس مصالح القوى المؤثرة مباشرة، فمصلحتها تقتضي بقاء المريض في العناية المركزة، فيما يجري العمل على "تطبيع" الحالة وتهدئة الحال، والضغط على دول الجوار الأغنى لدفع فاتورة المستشفى، ومصاريف المتصارعين.
 
حكم القوي على الضعيف
ماحدث في الطيونة لم يكن حادثاً، بل هو حدث مخطط له. ففريق يكاد الحكم يرفع عليه "البطاقة الحمراء" قرر أن يشتت الانتباه بافتعال صدام بين الجماهير. فوجّه اتباعه بالتعدي على منطقة الخصم، واستعراض القوة بالسلاح المتاح. جاءت ردة الفعل طبيعية، فالطرف الآخر لم يكن غائباً عن الوعي حتى لا يتوقع هذه الحركة، خصوصاً أن تاريخ المعتدي الطويل حافل بمثل هذه التعديات، ولعل أشهرها كان في 2008 باحتلال القمصان السود بيروت وقصف الجبل، لمنع التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الحريري.
 
ولذا كان من الطبيعي التهديد بمئة ألف ميليشيوي مدجج بالسلاح في ما إذا أصر الخصوم على عدم رفع راية الاستسلام، والقبول بشروطه: إقالة المحقق العدلي الثاني خلال عام، وتعيين من يرضى عنه "السيد المطاع"، وطوي قضية تفجير المرفأ إما بتبرئة الحزب، أو بتسجيلها ضد خصم أو مجهول، ووصول التحقيقات الجارية في القضية المستجدة، "والأهم" بمعاقبة حزب "القوات اللبنانية"، قيادة وأتباعاً. فدماء الشهداء "المسلحين"، ليست برخص دماء شهداء المرفأ من المدنيين، ولن تجف بلا حساب أو عقاب.
 
سؤال المئة ألف
والأسئلة يا ميريام التي تواجه "سيد المقاومة" هي بماذا يبرر تسليح 100 ألف ميليشيوي من طائفة واحدة بعد أن انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وأمن لها الحزب حدودها منذ 2006؟ وماذا يفعل بكل هؤلاء الجند بعد أن انتهت حروبهم على السنّة في سوريا والعراق؟ ولم تعد روسيا تقبل بوجودهم في بلد تحتله بحجة الدفاع عن العتبات المقدسة؟ وكيف ستبرّر إيران لشعبها دفع رواتبهم ومصاريف تدريبهم وتسليحهم، من دون أن يتحقق لها التطويع الكامل لبلد عربي، وامتصاص ما تبقى من ثرواته؟ خصوصاً مع تكشّف أساليب التهريب وغسيل الأموال وتصدي المجتمع الدولي لها.
 
الحركة فيها بركة، وفي حالة الحزب، لا بد من نشاط ما، تقدم ما، إنجاز كبير. ومع فشل الكثير من محاولات تهريب الكبتاغون إلى دول الخليج وأوروبا، وإفلاس البنوك اللبنانية، وتوقف المساعدات الدولية، كان لا بد من ابتكار جديد - قديم. وهل أجدى من التلويح بحرب أهلية، ميزان القوة مضمونة فيها لصالح "الثنائي الشيعي"؟ خصوصاً مع تشتت وضعف القوى المقابلة، سنّية ومسيحية ودرزية، وانخفاض الدعم الخارجي لها. الشعب خائر القوى، والمجتمع الدولي ملّ وانشغل، وخطوط الإمداد مع الهلال الشيعي فاعلة، والقوى الأقليمية رفعت يدها. هكذا تبدو الساحة في حسابات الحزب الإلهي.
 
النتائج المجهولة
لكن النتيجة ليست مضمونة يا ميريام، فمهما كان اللاعب ماهراً، فلا يمكن التنبؤ بمفاجآت المنافسين، بخاصة مع انكشاف الخطة وتكرر الأدوات. وما حدث في الطيونة ربما لم يكن متوقعاً. ففائض القوة قد يعمي صاحبها عن قدرة المنافس على التحدي. ويدفعه الى تجاهل المجتمع الدولي والقوى الأقليمية بظن أنهما أصبحا زاهدين في لبنان أو عاجزَين عن التدخل. ويعجل بخطوات مستقبلية رسمتها سياسة النفس الطويل لتحويل البلد العربي الى ولاية فارسية.
 
ولذلك، فمن المبكر القفز على النتائج. فلا تفاؤل يقبل في مثل هذه الظروف، ولا تشاؤم. الأجواء غائمة والحتمية مستحيلة. لم نصل القاع بعد، ولكنه ليس ببعيد. ولم نرَ النور بعد، ولكنه ليس بمستحيل. هناك حراك داخلي وخارجي، وهناك قناعة عامة باستحالة استمرار حالة الاحتضار.
 
الحل الداخلي والخارجي
ويشارك في تلك المقاربة حتى اتباع "الثنائي الشيعي" وملوك الطوائف، ومرجعياتهم الأجنبية. لا بد من حل، لا بد من مخرج. والسؤال الذي يدور حوله البحث هو كيف؟ وعلى حساب من؟ من أين ستأتي التنازلات؟ وعلى ظهر من ستكون التوافقات؟ وهل سيتم التوصل اليها بالتراضي المحلي أو بالفرض والعقوبات الدولية؟ ومن سيشرف على تنفيذها، القوى الإقليمية أو الدولية، أو بين بين؟
 
الحل ليس ببعيد ولا بغريب على ساحة لبنان. والأمل في أن يوجه هذا الحل، أهل الحل والعقد في البلد، لا أن يأتي جاهزاً من خارجها. آن أوان اليقظة.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم