إعلان

ماكرون لا يجد مَنْ يواسيه... "صفقة الغواصات الأسترالية" والانزلاق إلى الجحيم!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
صناعة الغواصات
صناعة الغواصات
A+ A-
خرجت السيوف من أغمادها ... أبكت "صفقة الغواصات الأسترالية" فرنسا، وأغضبت الصين، منذرة بأن العالم على شفا مرحلة زادها الحروب، قانونها القهر والإجبار، تعيد تشكيل الألواح التكتونية على رقعة الشطرنج الدولية، وتتوارى معها إستراتيجيات المُلاينة. كل يحاول توسيع مجال نفوذه وغنائمه، بالاقتصاد والسياسة والسلاح، ولو على حساب الحلفاء، فما بالك بالأعداء والمنافسين. منذ سنوات، أطلقت غواصة "قزمية" كورية شمالية "طوربيداً" على فرقاطة كورية جنوبية فائقة التطور، فانشطرت وغرقت في دقائق. لذلك لا أحد يستطيع التنبّؤ بنتيجة المواجهة المقبلة، بخاصة إذا كان طرفاها أسطول الغواصات النووية الأسترالية، المدعوم أميركياً وبريطانياً، والأسطول الصيني الذي يسابق الزمن لامتلاك عناصر القوة الشاملة ... المحيط الهادئ لن يعود "هادئاً"، قد يشتعل ناراً تطوق بقية القارات.
 
66 مليار دولار
انفجرت أزمة حادة بين فرنسا والولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، مطلع الأسبوع الجاري، بسبب سطو أميركا على عقد بقيمة 66 مليار دولار لتوريد 12 غواصة فرنسية تقليدية "باراكودا" لأستراليا. العقد الذي وقع عام 2016، وجارٍ تنفيذه، ألغته أستراليا، واستبدلته بغواصات أميركية أو بريطانية، تعمل بالدفع النووي، لتصبح الدولة السابعة في العالم التي تمتلك غواصات تعمل بالطاقة النووية، ضمن اتفاق "أوكوس"، ويتضمن صواريخ كروز متطورة ودعم قدرات أستراليا في الأمن السيبراني. وبمجرد إعلان قادة أميركا وبريطانيا وأستراليا عن الاتفاق، استشاط الفرنسيون غضباً، ووصفوا الأمر بأنه "طعنة في الظهر" و"خيانة من جانب الحلفاء"، وقرار "خطير" على صعيد السياسة الدولية.
 
وشدد بيان لوزيري الخارجية والدفاع الفرنسيين على أن الخيار الأميركي باستبعاد حليف أوروبي، مثل فرنسا من شراكة هيكلية مع أستراليا، في وقت نواجه فيه تحديات غير مسبوقة في المحيطين الهندي والهادئ، يُظهر نقصاً في التماسك لا يمكن لفرنسا إلا أن تأسف له. استدعت باريس سفيريها في واشنطن وكانبيرا للتشاور؛ يشعر الفرنسيون بمرارة للخسارة الفادحة، جرى الأمر بكيفية أظهرت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإدارته كأنه "الأخرق في الزفة"، إذ اعتبرت فرنسا اتفاق الغواصات الملغى "صفقة القرن" وأنبوب التنفس والإنعاش لصناعتها الدفاعية، فجاء اتفاق "أوكوس" ليُخرج فرنسا "عملياً" من لعبة الهيمنة في المحيطين الهادئ والهندي، وألحق انتكاسة كبيرة بسمعة السلاح الفرنسي واستراتيجيتها في المنطقة القائمة على عقد شراكات عسكرية - اقتصادية مع الهند وأستراليا. ولأن المصائب لا تأتي فرادى تسرّبت أنباء عن أن رومانيا تريد فسخ عقد صفقة سفن حربية "كورفيتات" فرنسية، أما سويسرا، فستتخلى عن التعاقد على مقاتلات "رافال" الفرنسية، لتقتني "إف-35" الأميركية.
 
طرق الإمبراطورية
لا خيارات كثيرة في أيدي ماكرون، ليس لديه من يواسيه، ومن يستجيب لصراخه ولوعته، والأهم من يعوضه عن الخسائر و"التكلفة الاستراتيجية" الباهظة. ومع أن الهدف من "صفقة الغواصات الأسترالية - الأميركية" هو تحجيم نفوذ بكين المتنامي في بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهادئ والهندي، لا باريس، لكن الأزمة العاصفة كشفت عن شروخ في جدران حلف "الناتو"، وبوادر تحوّل في سياسات أوروبا مع الحليف الأميركي.
 
يحكم الأميركيون العالم بالأساطيل المنتشرة في كل المحيطات، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في تطبيق عملي لنظرية البريطاني "ألفرد ماهان"، حول أهمية التفوق البحري بالنسبة إلى الإمبراطورية. كتب ماهان أنّ المحيطات التي تغطّي الكوكب تعبرها طرقٌ محدّدة، تشبه أوتوستراداً يربط العالم، تسلكها السفن، وصولاً إلى المراكز التجارية العالمية في أقصر وقت، ومن يتحكّم بتلك الطرق، يتحكم بكوكب الأرض، لذلك ترخي الأساطيل الأميركية سيطرتها على الباسيفيك والاطلنطي، مطوقة "أوراسيا" معقل المنافسين الرئيسيين: الصين وروسيا، والحلفاء الأساسيين: أوروبا.
 
تهيمن واشنطن على المعابر الاستراتيجية وشرايين التجارة الدولية عبر البحار من دون منازع، لكنها تتحسس من الصعود الصيني المتزايد. تحاول الصين بناء مجال حيوي، اقتطاعاً من السيطرة الأميركية، لا سيما في أوراسيا وبحر الصين الجنوبي والمحيطين الهندي والهادئ، تعمل بدأب على تضييق الفجوات في الأبنية التكنولوجية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية مع الولايات المتحدة، وقد حققت نجاحاً مشهوداً، وهي تشق طريقها بسرعة صاروخية إلى مقعد الصدارة. وهذا ما لن تقبله واشنطن سلماً أو حرباً، ولا مانع لديها من اللجوء إلى القوة وجر الخصوم إلى حافة الهاوية، لابتزازهم وانتزاع التنازلات منهم.
 
باتت منازلة الصين وحصار نفوذها هدفاً استراتيجياً للإدارات الأميركية المتعاقبة. في عام 2009 أعلن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عن استراتيجية "التحول إلى آسيا"، وتقوم على التشديد على مركزية الدور الذي تؤديه هذه المنطقة في اقتصاد العالم. أما دونالد ترامب فكان "الخطر الصيني" شغله الشاغل، شن حرباً تجارية وفرض عقوبات على شركات صينية عملاقة. ولما جاء جو بايدن إلى الحكم أعلن أن "أميركا عادت" لقيادة الغرب والعالم، واعتبر بكين أخطر منافس لبلاده. يسعى بايدن إلى تحويل الأصدقاء والحلفاء إلى مفردات طائعة، في ما تريده واشنطن قسراً وإرغاماً، حلفاء مصنوعين من فطيرة التفاح الأميركية.
 
ترى دول اتفاق "أوكوس" أن سعي الصين للحصول على قوة بحرية كبرى يعرّض أستراليا للإنزال والاحتلال الصينيين، وهو ما تحاول أميركا وأستراليا وبريطانيا منعه؛ لحسم سباق التسلّح، هذا إضافة إلى "تحالف العيون الخمس" الاستخباراتي الذي يضم الدول الثلاث وكندا ونيوزيلندا. في السياق نفسه أعلن البيت الأبيض أنّ بايدن الساعي إلى تعزيز تحالفات واشنطن في وجه الصين، سيستقبل في البيت الأبيض رؤساء وزراء الهند واليابان وأستراليا الشهر الجاري.
 
تلاعب جيوسياسي
أمام الأحداث المتلاحقة، فجاء رد فعل الصين عنيفاً؛ وصفت شراء أستراليا الغواصات النووية بأنها خطوة غير مسؤولة بالمرة، تهدد الاستقرار في المحيطين الهندي والهادئ، وتشكك في الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، واعتبرت اتفاق "أوكوس" أداة تلاعب جيوسياسية، لأنه يقوّض في شكل خطير الاستقرار الإقليمي، واتهمت الدول الثلاث بالتحريض على سباق تسلح، والعودة إلى أجواء الحرب الباردة، وحذّرت قادة الدول الغربية من أنهم يخاطرون بإلحاق ضرر بمصالحهم الخاصة. من جانبه رفض وزير الدفاع الأسترالي بيتر داتن ردود الفعل الصينية، وقال إنها متعالية وغير ناضجة ومحرجة وتأتي بنتائج عكسية.
وقد رحبت اليابان وتايوان باتفاق "أوكوس"، بيد أن المتحدث باسم المفوضية الأوروبية بيتر ستانو قال: "لم يجرَ إبلاغنا بالمبادرة. سيتعين علينا مناقشة الأمر داخل الاتحاد الأوروبي لتقييم التداعيات". وحاول وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن طمأنة أوروبا وامتصاص غضب باريس، قائلاً: "إن فرنسا شريك حيوي لبلاده"، نافياً أي انقسام بين مصالح شركاء واشنطن في الأطلسي وشركائها في الهادئ..."؛ لكن السفير الفرنسي في أستراليا وصف الوضع بأنه "أخرق"، ولمّح إلى أن بلاده ستعمل على عرقلة المحادثات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وأستراليا، بعدما تخلت عن الغواصات الفرنسية.
 
الأزمة لا تزال في بدايتها، في أوج انحدار على قمة النظام الدولي، مع تدنٍ في القوة والمكانة، يبدو فيه الجميع أكثر نرجسية وأنانية وعصبية وانكفاء على الذات ... أما العرب فهم يقبعون في أماكنهم المفضلة، متفرجين تدهسهم الأقدام!.
وذاك حديث آخر.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم