إعلان

خطوط حمراء أميركية لأي وساطة أو مبادرة

المصدر: النهار العربي
هادي جان بوشعيا
دمار في غزة
دمار في غزة
A+ A-
بعد أيام من الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة وما سبقها من توترات في القدس والضفة الغربية ومدن إسرائيلية عدة، وتعثر الجهود الدبلوماسية لوضع حدّ لتدهور المشهد مع فشل متكرر لمجلس الأمن في إصدار قرار بسبب الفيتو الأميركي، ترتفع حصيلة الضحايا والخسائر لحظة بعد لحظة.
 
ماذا عن التحركات الدبلوماسية الأميركية، المصرية، الروسية وحتى الفرنسية الساعية إلى تهدئة الوضع؟ وهل من استراتيجية محددة لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للتعامل مع هذا التصعيد المتفاقم؟
 
وفيما تسعى إدارة بايدن لمعالجة أزمة لم تكن تريدها على الإطلاق، أرسلت في الأيام الأخيرة مبعوثاً للشرق الأوسط وانخرطت في جهود ديبلوماسية لاحتواء تصاعد القصف بين الجيش الإسرائيلي وحركة "حماس"، لكن ما هي فرص نجاح واشنطن في نزع فتيل الأزمة، خصوصاً وأنها لم تعيّن بالكامل بعد شاغلي المناصب الإدارية العليا للإشراف على ملفات الشرق الأوسط، كما لا يوجد مرشح لتولي منصب سفير واشنطن لدى إسرائيل؟.
 
إضافة إلى ذلك، أبدت الإدارة الأميركية، التي تدفع باتجاه تحويل سياساتها الخارجية نحو مواجهة الصين، إهتماماً ضئيلاً في عملية السلام في الشرق الأوسط قبل انفجار العنف الأخير.
 
ويأتي ذلك مع تعليق مديرة مبادرة أمن الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي كريستين فونتروز التي قالت: "لم يكن هذا على قائمة أولوياتهم السياسية على الإطلاق... أما الآن فسوف يضطرون لأخذها كأولوية أساسية ولا أعتقد أنهم مستعدون لذلك".
 
يذكر أنه في الأشهر الأولى من الولاية، أعلنت إدارة بايدن رغبتها في تجديد التواصل مع الفلسطينيين وإعادة تمويلهم مع التأكيد مجدداً على حلّ الدولتين. فيما يواجه اليوم بايدن انتقادات من الجهات كافة، ذلك أن شخصيات من الحزب الجمهوري وعلى رأسها وزير الخارجية السابق مايك بومبيو اتهمت بايدن بعدم الوقوف في شكل لا لبس فيه مع إسرائيل في مواجهة هجمات حركة "حماس" الصاروخية.
 
في المقابل، يظهر شرخ متزايد داخل الحزب الديموقراطي، حيث يشعر المشرّعون في اليسار بالإحباط من عدم رغبة بايدن في أن يكونوا أكثر انتقاداً لسياسات إسرائيل.
 
ولكن في ظل الاتهامات التي سيقت لواشنطن بتعطيل تمرير قرار لدى مجلس الأمن الدولي لوقف التصعيد بين إسرائيل وغزة ما يقودنا إلى السؤال عن أسباب هذا التعطيل. ذلك أن هناك غياباً تاماً لقراءة حقيقية أو حتى موضوعية لطبيعة المأساة في غزة، حيث يبدو أن بايدن يتبنى سياسة تنطوي على موقف تقليدي بالتقليل من أهمية ما يحدث باعتبار أن ما قاله يوم الخميس الماضي أنه لم يرَ ردّ فعل مغالياً من قبل إسرائيل، ما يعكس الصورة النمطية التي تحمل على وجوب الوقوف بجانب إسرائيل عند كل منعرج.
 
والواضح أن الاتصالات التي تجري بين واشنطن وتل أبيب لم ترقَ إلى المستوى المطلوب ولضرورة الدعوة لوقف إطلاق النار وأعمال العنف في هذه المرحلة، وربما قد تحمل الأيام القليلة المقبلة تدرّجاً في الموقف الأميركي، نظراً لأن هناك شخصيات داخل الكونغرس والحزب الديموقراطي ممّن ينادون بتبني موقف أفضل، خصوصاً في ظل المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون.
 
وفي حال لم يتمكن بايدن من إظهار زعامته السياسية والأخلاقية فإن ذلك سيقوّض سياسة الريادة المنشودة في حقبة بايدن. ولعلّ السجال المحتدم داخل الولايات المتحدة قد يرقى إلى أهمية إجراء مراجعة ذاتية للموقف في البيت الأبيض ومنه نحو وزارة الخارجية الأميركية.
 
إلى أي حد يمكن الذهاب الى انتاج حلّ أبعد من التهدئة ووقف إطلاق النار من وجهة النظر الأميركية؟
 
لا شك في أن الأيام الأولى لم تحمل موقفاً أميركياً قائماً بذاته، وفيما كان بايدن يعتقد أن كل ما يحصل هو عبارة عن موجة عنف يتمخض عنها مواجهات محدودة قد تنتهي عند حدود الشيخ جرّاح ولا تشمل غزة، ولكن، مع دخول الأزمة القديمة الجديدة أسبوعها الثاني ربما قد تكون هناك قراءة أخرى.
 
أمام هذا الواقع، لا بد من الإقرار بمفاهيم وأدوات قياس الصراعات، حيث يتبين أن الولايات المتحدة لا تتحدث عن وساطات سواء أكانت أميركية أو قطرية أو مصرية أو تونسية حتى لو تم ذكر هذه الدول، بمعنى أن واشنطن تريد من الدول الثلاث فرض بعض الضغوط أو إقناع حركة "حماس"، ما يعني تدخل في مسار واحد وليس على المستويين الإسرائيلي في تل ابيب والفلسطيني في غزة. لذلك يبدو الآن أن نتنياهو يجد أن المجال مفتوح أمامه للمضي قدماً في شن العمليات العسكرية الهجومية غير مكترث بأي موقف، وطالما ليس هناك ضغط حقيقي على الطرفين لا يمكن الحديث هنا عن وساطة عربية كانت أو حتى أميركية.
 
كما أنه في ظل الحديث عن الحراك الدبلوماسي، برزت تصريحات صينية لافتة عقب مطالبة مندوبها مجلس الأمن بضرورة توحيد الصوت بغية التوصل لوقف فوري لأعمال العنف بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة.
 
إذاً هل نتحدث هنا عن دور جديد للصين ما يعبّد الطريق لدخولها على خط هذا الملف الحساس إذا جاز التعبير؟
 
من المستبعد أن يأخذ الموقف الصيني دوراً جديداً، ذلك أن المسألة جاءت بمحض المصادفة، خصوصاً أن المندوب الصيني كان قد ترأس الجلستين السابقتين لمجلس الأمن، ما يعكس البيروقراطية ربما في الأمم المتحدة أكثر مما ظُنّ البعض أن هناك تحوّلاً جوهرياً لموقف بكين من أزمة الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لكن اللهجة الصينية الأكثر تشدداً تعكس الموقف الذي يكاد يقترب من الطرح العملي والإنساني المتفوق على المواقف الدولية الأخرى. إلا أنها، رغم تمتعها بحق الفيتو في الأمم المتحدة، لم تستطع بكين تجاوز الفيتو الأميركي المضاد، لذلك يمكن القول أنه حتى وإن تحركت الصين في هذه المرحلة، في ظل التنافس بين من يريد أن يصبح القوة العظمى الرئيسية في العالم بموازاة تراجع صارخ للولايات المتحدة، نجد أن هناك عثرات، ولعل المنطق الذي يسود الأزمات والصراعات يحول من دون إسقاط عبارة وساطة التي لم تتبلور بعد لا على الصعيد الدولي أو حتى الإقليمي سواء عربياً أو غربياً، لكنها اقتصرت على مجرد اتصالات في مسارات مختلفة بين عواصم متعددة.
 
في الختام، تبرز معضلة أساسية تضع الأزمة القائمة أمام منطلقات عدّة في مسارات مختلفة تدعي أنها دبلوماسية مبرزةً إهتماماً بالقضية من خلال مساعي مقنّعة للاضطلاع بدور للتوصل إلى حلّ، لكنها تفتقد إلى البراغماتية الدبلوماسية في ظل غياب الرؤى الموحدة.
وطالما لم تتوصل الرباعية الدولية المتمثلة بالولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وروسيا إلى اتفاق عن حديث لأي مخرج للأزمة يعني أن طريق الوساطة ما زالت بعيدة ما يعكس الأضواء الحمراء الأميركية أمام أي مبادرة من هنا وهناك، ريثما ينتهي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تحقيق أهدافه المنشودة من إعادة تفجير القضية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم