إعلان

"الاستعصاء التونسي"... مجتمع منغلق ودولة رخوة

المصدر: النهار العربي
هشام الحاجي
من ثورة تونس
من ثورة تونس
A+ A-
تمثل تونس مختبراً متميزاً لما يعرف في العقد الأخير من الزمن بـ"الربيع العربي". فمنها انطلقت أول شراراته وإليها اتجهت كل الأنظار ما دامت تمثل "حالة نموذجية للثورات الهادئة و الانتقال الديموقراطي السلس والناجح". ولكن هذه الرؤية المتفائلة التي تتجاهل مكر التاريخ وتعقّد الواقع لم تستطع الصمود طويلاً أمام حالة العطالة التي أصابت المسار وضربت تدريجياً سردية الثورة وما ارتبط بها من رؤى وتطلعات في مقتل وجعلتها غير منتجة سياسياً. ويكفي تأكيداً على ذلك أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي اعتبرت الأحزاب السياسية التي دعمته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد تحول في نظرها إلى خصم لدود وأن قنوات الحوار بين القوى التي تنسب نفسها لثورة لا أثر لها في الواقع قد أصبحت مسدودة ولا أمل في فتحها.
 
الأزمة في تونس أصبحت شاملة ومعقدة، إذ تراكمت "طبقاتها" لتطاول الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهو ما يعني صعوبة تجاوزها في حيز قصير من الزمن. لقد تراجعت كل المؤشرات على ما كانت قبل 14 كانون الثاني (يناير) 2011 ولم يعد في الإمكان إخفاء هذا التراجع أو "تبريره" بالاشارة الى أن مسار الانتقال الديموقراطي في المجتمعات التي عرفت ثورات سلمية كان طويلاً ومعقداً وأن ما يتوافر من "حريات فردية وجماعية هو أهم بما لا يقاس من تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين الذين يعانون من تدهور شامل للخدمات ومن ارتفاع تكلفة العيش ومن شعور بأنهم انتقلوا من حالة الوصاية الضاغطة التي تفرضها عليهم الدولة الراعية إلى حالة "يتم جماعي" أوقعتهم فيه "الدولة العالقة" التي تفقد يومياً الكثير من مقوماتها في ظل دستور يغذي الانقسام ونظام سياسي تأثر بأفكار فيلدمان وبريمر فخلق حالة من "الطائفية السياسية الهيكلية"، على رغم أن المجتمع التونسي شديد التجانس مذهبياً وطائفياً ودينياً، ولكن يبدو أن "رعاة الربيع التونسي" قد أرادوا لغاية في أنفسهم تسريب الفيروس الطائفي ولو بتمظهر آخر للتجربة التونسية.
 
وما يبدو أخطر في الحالة التونسية هو الانزلاق تدريجياً الى وضعية الاستعصاء التي تعني رفض الوضع الحالي مع عدم القدرة على المضي الى حلول مستقبلية وتثمين الماضي الذي تستحيل منطقياً العودة إليه. وتتساوق في تكريس حالة الاستعصاء ثلاثة مكونات، وهي تدهور جهاز الدولة وهيمنة الانغلاق والنزعات المحافظة على المجتمع وارتباك النخب وهي مكونات تتفاعل حالياً في الواقع التونسي. كانت الدولة التونسية تشكو قبل 14 كانون الثاني (يناير) 2011 مما يمكن اعتباره "عنف الشكل وطراوة المضمون" وهو ما فاقم أزماتها الدورية وأدى في النهاية إلى عجزها عن الوقوف في وجه الحراك الاحتجاجي الذي أدى الى رحيل رئيس الجمهورية الأسبق زين العابدين بن علي ودخول تونس مرحلة جديدة لم يتغير فيها شكل الدولة نحو الأفضل، بل شهد التونسيون انزلاقاً تدريجياً الى نموذج الدولة الفاشلة أو ما يسميه بعض المنظرين "الدولة الرخوة" وهي الدولة التي تضع القوانين وتعجز عن تطبيقها لضعف الإمكانات أو لانتشار المحسوبية والإفلات من العقاب.
 
ومن سمات الدولة الرخوة تراجع هيبتها داخلياً وخارجياً وهو ما يتجسد حالياً في التجربة التونسية وأيضاً الإكثار من المؤسسات الحكومية والابتعاد في هذا المجال من منطق الجدوى والمردودية والاختلاف الوظيفي والوقوع في منطق المحاصصة والزبائنية وهو ما يؤدي إلى تداخل المهمات بين المؤسسات. الدولة الرخوة تفرز نخباً سياسية واقتصادية وفكرية فاسدة لا تفكر إلا في مصالحها الذاتية والفئوية ولا تساعد الدولة الرخوة إلا على انتشار الفقر والتخلف وعلى تمزيق النسيج الاجتماعي بنشر الوعي المناطقي والفئوي وتضخيمه وتهميش القواسم المجتمعية والوطنية المشتركة التي تضمن العيش المشترك والسلم المجتمعي.
 
الدولة الرخوة توفر أرضية خصبة لاستشراء الفساد وهيمنته ولنهب المال العام وللتهرب الضريبي وتعميق الارتهان للخارج وتكريس ارتباط مصالح النخب السياسية بالمؤسسات الدولية والدوائر الأجنبية وانهيار البنية التعليمية. إنها الدولة التي تعادي الشفافية ولا تعمل إلا من أجل الأغنياء والتي لا يمكن في نهاية الأمر إلا أن تنتهك حقوق الإنسان. وكل الخصائص التي ذكرناها في توصيف الدولة الرخوة موجودة في الحالة التونسية وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. وأما ميل المجتمع إلى الانغلاق والمحافظة والميل الى الأفكار السائدة ذات المنحى اليميني المتطرف، فيمكن أن نلمسه في نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة التي أفرزت فوز التيارات المحافظة والمرشح الذي لا يمكن تصنيف ما يقدمه من أفكار إلا في خانة اليمين المتطرف.
 
المجتمع المنغلق والمعطل لا يتداول إلا الخطاب العنيف وهو ما يبرز في المدونة التي يتفاعل بها السياسيون وفي مواقع التواصل الاجتماعي والذي يميل الى المحافظة في كل المجالات بخاصة في ما يتعلق بمكانة المرأة وحقوقها، والذي ينبذ الحريات الفردية وغالباً ما يعتبرها اداة انحلال اجتماعي ويصعب أن تتمتع الأقليات بالمساواة الاعتبارية بل تحركه نزعات عنصرية حتى وان كانت الصورة المثالية التي يكونها عن نفسه تجعله يرفض الإقرار بذلك لأنه يرفض أن يُخضع نفسه للنقد ويفر من مواجهة الحاضر الى حنين مرضي للماضي.
 
وأما النخبة السياسية، فإن تخبطها أدى الى "موت السياسة" وهو ما تجلى في تقلص الاهتمام العمومي بالحياة السياسية وفقر الحوار العمومي إذ غاب طرح القضايا والإشكاليات التي تهم المواطنين وطغت الخلافات الهامشية والشخصية وتحولت "التسريبات" والأساليب المستهجنة اخلاقياً إلى أسلوب للتفاعل بين الخصوم السياسيين وتراجعت الثقة في صدقية وسائل الإعلام، علاوة على الانقسامات والصراعات التي تشق كل الأحزاب السياسية.
 
كاتب وباحث تونسي في علم الاجتماع
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم