إعلان

هل خذل العرب أميركا في أوكرانيا؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
جندي أميركي في بولندا.(رويترز)
جندي أميركي في بولندا.(رويترز)
A+ A-
يتساءل خبراء السياسة الأميركية عن سر تراخي العرب وإسرائيل عن دعم الرئيس جو بايدن في حملته لمواجهة روسيا في أزمة أوكرانيا. ويقارنون مواقفهما بموقف أوروبا، أستراليا، اليابان وكوريا، المؤيد للسياسة الأميركية المتشددة حيال موسكو، والمصرة على حق كييف في الانضمام الى حلف "الناتو" والاتحاد الأوروبي، والدخول تحت حماية المظلة العسكرية الغربية.
 
الغياب والفراغ
ورغم تباين الاستنتاجات والتحليلات، إلا أن هناك نوعاً من التوافق لدى كثير من الخبراء في لوم واشنطن لتخليها عن حلفائها وشركائها التقليديين في الشرق الأوسط، وتخفيضها أولوية التزاماتها الأمنية تجاههم. وتركيزها أكثر على المواجهة المقبلة مع الصين، تجارياً وسياسياً وعسكرياً.
 
هذه العقيدة التي صاغها الرئيس الأسبق باراك أوباما، وتبناها الرئيس السابق دونالد ترامب، يطبقها اليوم بحماسة الرئيس جو بايدن. وكنتيجة، فقد اتسع الفراغ الأمني الذي أحدثه الانسحاب الأميركي من المنطقة، وملأه الحضور الروسي الصاخب، في سوريا. والتعاون العسكري والنفطي والأمني والتجاري بين دول المنطقة وكل من روسيا والصين.
 
إسرائيل التي تعتبر أقرب حلفاء أميركا وأكثرها اعتماداً على المظلة الأميركية، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة مضطرة للتنسيق مع موسكو لمواجهة خطر الميليشيات الإيرانية في محيطها. فزارها رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو عشر مرات في خمس سنوات، واستهل رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت عهده بزيارتها، لضمان عدم اعتراضها القوات الجوية الإسرائيلية في السماء السورية. وقد تفادت تل أبيب إعلان موقف مؤيد لإدارة الرئيس بايدن تجاه روسيا، رغم علاقاتها الممتازة مع أوكرانيا، وتواجد جالية يهودية كبيرة فيها، من بينها الرئيس الحالي، خلال الزيارات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير خارجيته لواشنطن.
 
تركيا والعرب
الكويت التي تعتمد هي الأخرى على الحماية الأميركية التي حررتها من الاحتلال العراقي، وتحميها اليوم من الأخطار المحيطة، عملت على توثيق علاقاتها مع روسيا والصين، وتفادت تماماً انتقاد التحركات العسكرية الروسية على الحدود الأوكرانية، أو إبداء التعاطف رسمياً مع الموقف الأميركي، حتى في البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية بعد اللقاءات التي جمعت قادة البلدين، وآخرها زيارة وزير الخارجية الكويتي واشنطن.
 
ومصر التي تتلقى أكبر دعم مالي وعسكري أميركي خارجي، وتعتبر حليفة استراتجية لواشنطن، عمّقت علاقاتها العسكرية والتجارية والسياسية والسياحية مع موسكو في العقد الأخير، ونوعت مواردها التسليحية لتشمل صفقات روسية كبرى، بأسلحة نوعية برية وبحرية وجوية. ومثلما فعلت إسرائيل والكويت، امتنعت القاهرة عن تأييد الموقف الأميركي، أو انتقاد سياسة فلاديمير بوتين تجاه أوكرانيا.
 
وتركيا، وهي عضو حلف "الناتو"، وفيها قواعد للحلف، وحضور أميركي عسكري كبير، شعرت بتحيز واشنطن مع أوروبا واليونان في القضايا الخلافية، فمالت في السنوات الأخيرة إلى موازنة علاقاتها بين الغرب والشرق. وعليه، فقد وسعت قنوات التواصل والتعاون مع روسيا والصين، ودعمت بقوة بناء خط أنبوب الغاز الروسي "ترك ستريم" عبر أراضيها، وبلغ بها الأمر تحدي أميركا والحلف بشراء منظومة "أس-400" الصاروخية للدفاع الجوي، رغم تضارب وجودها مع الشراكة التركية في برنامج الطائرة الخفية "أف-35".
 
السعودية والإمارات
ولم يختلف الأمر مع الرياض وأبوظبي، فالحليفان عانيا من التجاهل الأميركي لاحتياجاتهما الأمنية والتهافت على توقيع الاتفاق النووي مع إيران وتجاهل سياساتها المزعزعة للأمن والسلم في المنطقة، والانتقادات المستمرة للبلدين في قضايا حقوق الإنسان واستمرار الحرب في اليمن، وغض الطرف عن التعنت الحوثي تجاه مبادرات السلام، وتعديات الميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان على مصالح وأمن دول الخليج العربي.
 
ولعل أبرز المؤشرات تجلّى في تبني الرئيس أوباما ثورات "الربيع العربي" ضد أنظمة حليفة لأميركا، وتخليها عن سوريا لإيران وروسيا، وعدم الالتزام بالخط الأحمر المعلن بحال استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين. كما امتناع خلفه الرئيس ترامب عن الرد على قصف آبار بقيق وهجرة خريص السعودية بصواريخ ومسيرات إيرانية، وما نتج منه من تعطيل نصف الانتاج النفطي لأسابيع، وسحبه القوات الأميركية من سوريا، وبدء الانسحاب من العراق.
 
وتلا ذلك إلغاء الرئيس بايدن تصنيف "الحوثيين" حركة إرهابية، وسحب صواريخ باتريوت وقوات أميركية من دول المنطقة، والانسحاب المتسرع للقوات الأميركية من أفغانستان، ورفع بعض العقوبات الأميركية عن طهران، إضافة إلى مواصلة استهداف الأنظمة الحليفة بالانتقادات والتدخلات والتهديدات تحت راية الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان.
 
الحليف الروسي
وفي المقابل، هبّت موسكو لنجدة حليفها السوري، فتصدت لخصومه، ووقفت ضد التغول التركي وحجّمت الهيمنة الإيرانية، ودافعت عنه في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتوسطت له في الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي.
 
كما وقعت مع السعودية عقوداً عسكرية مليارية لتزويدها أنظمة دفاع جوي متقدمة وأسلحة برية وصاروخية، مع المشاركة في التصنيع ونقل التنقية وعدم وضع شروط مقيدة للاستخدام، كالشروط الأميركية. وعرضت صفقات مماثلة على بقية دول الخليج، ووقعت اتفاقات تعاون عسكري ونفطي وأمني معها، وأوفت بها.
 
ولم تتدخل موسكو في الشأن الداخلي لمصر والدول الخليجية، ووقفت ضد استراتيجية "الفوضى الخلاقة" لهدم وإعادة بناء النظام العربي، وساندت الحقوق الفلسطينية، وأيدت مرجعيات ومبادرات السلام في اليمن، وانتقدت الهجمات الحوثية ضد الأعيان المدنية في السعودية والإمارات، وساهمت مع السعودية في قيادة "أوبك +" وتأمين استقرار سوق الطاقة، وحماية مصالح الدول المنتجة، مع مراعاة مصالح المستهلكين.
 
دروس واشنطن
وهكذا، فعندما طالبت واشنطن حلفاءها في المنطقة بالدعم والمساندة في أوكرانيا، رفضت حتى ربيبتها إسرائيل، وحليفتها في "الناتو"، تركيا، الوقوف في صفها، ولو شفهياً. أما السعودية التي تعهد بايدن بتهميشها خلال حملته الانتخابية، ورفض التواصل مع ولي عهدها، فقد أبت الاستجابة لنداءاته الملحة برفع إنتاجها النفطي لتخفيض أسعار الوقود وكبح التضخم وزيادة فرص حزبه في الانتخابات النيابية نهاية العام الحالي. كما امتنعت عن اتخاذ أي موقف مناوئ لروسيا والصين في الأزمة الأوكرانية.
 
هل تعلّمت واشنطن الدرس، ولو متأخرة؟ وهل صححت سياساتها مع دول المنطقة؟ ربما، ولكن بدرجة غير كافية. فمع السعودية والإمارات تغيّرت لهجة إدارة بايدن ومواقفها السياسية من القضايا المصيرية، كأزمة اليمن والتهديدات الإيرانية لها. وتكررت التصريحات التي تؤكد التزام أميركا الثابت بأمن الدول الخليجية، وتدين بكل وضوح الطرف المتعنت في العملية السلمية، والمتعدي على الأعيان المدنية، "الحوثيين".
 
كما أعلنت الإدارة في أكثر من مناسبة مراجعتها للقرار السابق برفع الحركة من قائمة الإرهاب، وأضافت الى قائمة العقوبات مزيداً من الأسماء للكيانات والأشخاص المشاركين والداعمين لـ"الحوثيين". وفي الوقت نفسه، رفعت التجميد وأوقفت عملية المراجعة لعدد من الصفقات العسكرية المهمة للدولتين الخليجيتين ومصر، وسمحت بقدر من التعاون اللوجستي والاستخباراتي مع عمليات التحالف العربي في اليمن. إضافة الى تخفيف الضغوط الدبلوماسية على الدول الثلاث في قضايا حقوق الإنسان المفضلة لليسار الأميركي: النسوية والمثلية والمعارضة السياسية.
 
المطالب الأميركية
وفي المقابل، طالبت الإدارة الأميركية السعودية بزيادة انتاجها النفطي، وقطر بزيادة انتاج الغاز، وتوجيه مزيد من الانتاج إلى أسواق أميركا وأوروبا لمواجهة النقص المتفاقم مع تصاعد أزمة أوكرانيا، وتحسّن سوق الطاقة بتراجع وباء كورونا. كما واصلت الضغط على إسرائيل وتركيا لتخفيض التصعيد في سوريا والعراق حتى تمر الاتفاقية النووية بسلام، مقابل مزيد من الدعم في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
 
ولأن "العاقل" لا يلدغ من جحر مرتين، فقد ترددت كل هذه الدول، ما عدا قطر، في التجاوب مع المطالب الأميركية، وواصل الجميع بلا استثناء موازنة علاقاتهم الخارجية مع الغرب والشرق، بتحسينها مع روسيا والصين وأوروبا، وتحفظها مع أميركا، والنأي بالنفس عن القضايا الخلافية بين المعسكرين، بما فيها أزمة أوكرانيا.
 
المراجعة المستحقة
ومن جانبها، رفضت السعودية بوضوح وقطعية الخروج على اتفاق "أوبك +" برفع الانتاج، والنكوث بعقودها المستقبلية لصالح السوق الأميركية. ومع ترحيبها والإمارات ومصر بالتعهدات الأميركية الأمنية، وتحسن اللهجة الدبلوماسية، فقد واصلتا سياسة تنويع مصادر السلاح والطاقة النووية، مع التركيز على توطين صناعتها.
 
أميركا بحاجة الى مراجعة جادة وشاملة لاستراتيجياتها الخارجية، وإعادة ترتيب أولوياتها، والعمل على استعادة صدقيتها لدى حلفائها وشركائها. فخلال العقدين الماضيين انحرفت بوصلة الدولة العميقة باتجاه الشرق الأقصى، على حساب شراكات تقليدية عمرها ثمانين عاماً. وتفنن صناع القرار الأميركي، جمهوريين وديمقراطيين، في خذلان أقوى الحلفاء، والتزلف لأشد الأعداء، وعدم الالتزام بالعهود والمواثيق. واليوم بات أكثر ما يمكن أن تطمح أميركا إليه، تعديل نسبي لبوصلة حلفائها في المنطقة باتجاه الغرب، وايقاف التوغل الشرقي في ساحاتها. أما عودة الحال الى ما كان عليه فقد أصبح أقرب الى المحال!
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم