إعلان

شربل وهبة والعنصرية الخلدونية

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
شربل وهبة خلال مقابلته على الحرّة
شربل وهبة خلال مقابلته على الحرّة
A+ A-
الهفوات الدبلوماسية والسياسية هي جزء لا يتجزأ من الحياة العامة كون البشر هم عرضة للوقوع بالأخطاء. لكن هناك فرق كبير بين الخطأ العارض والخطأ المنهجي. فالمسرحية "التهريجية" لرأس "الدبلوماسية اللبنانية" وزير الخارجية شربل وهبة خلال إطلالته التلفزيونية الأخيرة ترقى لأن تكون مدرسة جديدة وريادية في الفظاظة والعنصرية والانتحار السياسي.
 
شربل وهبة الذي خدم لأكثر من 43 عاماً في السلك الدبلوماسي وكمستشار للرئيس ميشال عون للشؤون الدبلوماسية، تمكن خلال خمسين دقيقة فقط من تذكير العالم بالجائحة الحقيقية التي اجتاحت لبنان منذ أيار (مايو) 2005 وتمثلت بالمدرسة العونية التي طوّرها صهر ميشال عون جبران باسيل ومَثّل أحد أنجب طلابها شربل وهبة.
 
الأزمة الحقيقة لا تكمن فقط في تطاول وهبة على المملكة العربية السعودية ونعتها بـ"أهل البدو" ولا في اتهامه لدول الخليج العربي الشقيق بتصنيع وتصدير "داعش" بل في سكوت الشعب اللبناني بكل مكوناته عن السرطان السياسي الذي سمح باستبدال قامات عريقة في الحقل الدبلوماسي من أمثال غسان تويني ونواف سلام وظافر الحسن وخليل تقي الدين بحفنة من الموتورين كشربل وهبة وناجي حايك وشربل خليل الذين امتهنوا الخطاب العنصري الطائفي على حساب لبنان ومصلحته القومية.
 
الخطر في تهريج "ابن خلدون" اللبناني شربل وهبة يكمن في خباثة ونزعة محوره الانتحارية. فالمحور الذي ينتمي إليه وهبة يتباهى بالتفوق العرقي الفينيقي لسكان الساحل اللبناني الآتين أصلاً من شبه الجزيرة العربية ويرفض في الوقت عينه نقد العرب والعالم للطبقة السياسية اللبنانية برئاسة فخامة رئيس الجمهورية "الحضارية" التي باعت روحها للسلاح الإيراني غير الشرعي الذي يحمي بدوره أسياد وهبة من المساءلة في فسادهم المتناهي.
 
ردة فعل الشعب اللبناني ورغم حدّتها لا ترتقي إلى مستوى الجريمة غير الأخلاقية التي ارتكبها وهبة، بل هي دليل على استمرار خوفهم من مواجهة الخطر الحقيقي الذي يتهدد لبنان وينذر بزواله المتمثل بالسلاح غير الشرعي واحتلال "حزب الله" وإيران للدولة و مفهومها.
 
اللبنانيون، لا سيما من يعملون في دول الخليج العربي، لم يشعروا بالإهانة التي تسبّب بها وهبة فحسب، بل اسشعروا أيضاً الخطر على وظائفهم وبعضهم خاف من عملية ترحيل جماعية. لكن دول الخليج العربي الشقيق، ورغم تعرضها للإساءة، فهي لم ولن تضمر يوماً الضغينة والحقد للشعب اللبناني كما هو حال وهبة وإخوته من العنصريين اللبنانيين.
 
 
كلام وهبة قد يبدو للبعض كلاماً شاذاً، لكن هذه السردية العنصرية التي تروج لتحالف الأقليات وتتهم الدول العربية والغربية بأزمات لبنان هي بالأصل عماد خطاب ميشال عون وجبران باسيل المتحالفين مع القوى "غير السنية" من أجل حماية الأقليات التي استَبدلت داعش بنسخته "السنية" بحشود شعبية لا تقل إجراماً ودموية. والهجوم الذي قاده وهبة على دول الخليج ليس ردة فعل ونزاقة فورية بل هو مهمة أوكلت إليه من قبل ميشال عون وصهره جبران باسيل، وقد قام وهبة بتنفيذها بدقة وحرفية وإن انتهت إلى زوال مسيرته المهنية غير المشرفة.
 
المفهوم الخلدوني للدولة يركز على العنصر الحضري كأحد أبرز ركائزها، والحضر لا ينبثق من العدم بل هو طور من أطوار الارتقاء من البداوة. و هذا المفهوم يتمثل في شكل واضح في دول الخليج العربي التي استفادت من ثرواتها الطبيعية والبشرية لتحويل بلادها المتواضعة الى انموذج يحتذى، في حين جلس الشعب اللبناني صامتاً، إن لم نقل متواطئاً، وسمح بتحويل بلاد اللبن والعسل وسويسرا الشرق و كل ما هناك من ترهات وأساطير إلى طهران الملالي وسوريا الأسد وكراكاس هيغو شافيز.
 
شربل وهبة الذي خدم في فنزويلا كسفير للبنان معجب بشافيز وشعبويته وبطارق العيسمي الرئيس السابق لمجلس النواب الفنزويلي المتهم بتهريب المخدرات وبنيكولاس مادورو ونهجه الدكتاتوري، لكنه غير معجب بـ"البدو"، بل تخوله نفسه التطاول وبكل وقاحة على اشقائنا العرب والإساءة لهم. البدو ليست تهمة ولا إهانة بل هي عبارة وصفية لعمل إنساني قامت به نصف البشرية كما هو حال الفلاحين من أجداد السفير "البوليفاري" شربل وهبة في منطقة العاقورة مسقط رأسه.
 
البدو ينتقلون إلى طور الحضر في مفهوم إبن خلدون، لكن لبنان ميشال عون و"حزب الله" وسلاح الفساد لن يتغير اذا ما استمر الشعب اللبناني بالاعتراض الرمزي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. المطالبة بمحاسبة وهبة وتنحيته غير كافية، بل يجب على الشعب اللبناني بمن فيهم مئات الآلاف من المقيمين في الخليج اقتلاع رأس السلطة والنظام السياسي العنصري اللذين جعلا من السلاح غير الشرعي والثقافة العنصرية وجعاً لشربل وهبة بملحمته العنصرية "الحضرية"، ليس لأن الخليج هو مصدر رزقهم فقط، بل لأن الحياء والأخلاق يفرضان ذلك.
وربما الأهم هو عدم قبول اللبنانيين إدانات تصريحات وهبة الآتية من أمراء الطوائف اللبنانية الذين يتضامنون مع العرب تارة ويجلسون تارة أخرى على طاولة واحدة مع ميشال عون المحاط من يمينه بممثلي الحرس الثوري الإيراني في لبنان.
 
لبنان قد مات ودفن عام 2016 مع انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، وشربل وهبة ليس سوى ورقة النعوة، وإن أتت متأخرة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم