إعلان

العشق اللامتناهي للسلطة وكراسي الحكم

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي
المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي
A+ A-
دأب الرؤساء ورؤساء الحكومات الذين تنتهي مدة حكمهم في البلدان الغربية على مغادرة الحياة السياسية والانضمام إلى ما يسمى افتراضياً بنادي الرؤساء القدامى الذي يتحول فيه أصحاب الفخامة والمعالي المعتزلون للعمل السياسي إلى مستشارين لدى حديثي العهد في شؤون الحكم للإستفادة من خبراتهم. كما يقوم بعضهم بتأسيس مراكز للدراسات الاستراتيجية يوظفون من خلالها تجاربهم لإنارة رؤية السياسيين والرأي العام والباحثين، ولتوفير إطار ملائم للتفكير في مجريات الأحداث، وللتنظير بعيداً من ضغوط المناصب.
 
لكن الأمر يبدو مختلفاً في تونس وفي المنطقة المغاربية وربما في عموم العالم العربي، مع إصرار الفاعلين في الشأن العام على مواصلة النشاط السياسي إلى النهاية وحتى الممات ولما بعده لو توافر إمكان ذلك في عالم البرزخ. وحتى القلة القليلة من السياسيين الذين عقدوا العزم على اعتزال العمل السياسي إلى غير رجعة وصرحوا بذلك في العلن سرعان ما عاود الحنين عدداً منهم ودفعهم مجدداً إلى المشاركة في الشأن العام قاطعاً الطريق على الأجيال الجديدة والقيادات الشابة التي من حقها أن تضطلع بدورها في ممارسة الحكم في إطار سنّة التداول.
 
ويبقى الرئيس التونسي الموقت الأسبق المنصف المرزوقي أصدق مثال على هؤلاء المتمسكين بكراسي السلطة وهو الذي تربع على عرش قرطاج بسبعة آلاف صوت لا غير وذلك بدعم من "حركة النهضة الإخوانية" التي نصبته لقطع الطريق على مرشحين آخرين. وتميزت فترة حكمه بالإغتيالات السياسية وباستفحال العمليات الإرهابية التي استهدفت الأمنيين والعسكريين، كما تم في عهده تسليم رئيس وزراء القذافي البغدادي المحمودي إلى ميليشيات "إخوانية" ليبية في غياب القضاء المستقل في بلد عمر المختار، على رغم أن ذلك يتنافى مع حقوق الإنسان التي كثيراً ما رفع المرزوقي شعاراتها بوجه نظام زين العابدين بن علي.
 
ورغم هزيمة المرزوقي المدعوم من "حركة النهضة الإخوانية" في الانتخابات الرئاسية لعام 2014 أمام الراحل الباجي قائد السبسي، إلا أنه أصر على إعادة الكرّة عام 2019 فمُني بهزيمة نكراء وعجز حتى عن الوصول إلى الدور الثاني، فأعلن إثرها اعتزاله الحياة السياسية. لكن المرزوقي، الذي ترشح في أربعة استحقاقات بالتمام والكمال إلى الانتخابات الرئاسية عاد مؤخراً إلى التدخل في الشأن العام من خلال التهجم على الجزائر ثم المغرب ثم على ساكن قرطاج الجديد قيس سعيد ما دفع بالبعض إلى القول إنه يعد العدة للعودة إلى الحياة السياسية، خصوصاً أن عمليات سبر الآراء المتعلقة بنوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية عادت لتضعه ضمن المرشحين مع أسماء أخرى منها قيس سعيد وعبير موسى والصافي سعيد ونبيل القروي.
 
ومن بين الأمثلة على هؤلاء الساسة العاشقين للمناصب والكراسي، الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز الذي وجه سهام نقده مؤخراً، وعلى غرار المنصف المرزوقي، إلى رئيس بلاده الجديد حاكم نواكشوط محمد الشيخ الغزواني. ولم تسلم المعارضة بدورها من هجمات ولد عبدالعزيز، الذي، وخلافاً للمرزوقي، انضم إلى حزب صغير مدعياً أنه اضطر إلى ذلك بعد أن مُنع من الانضمام إلى الأحزاب الكبرى في موريتانيا.
 
وعبّر ولد عبدالعزيز صراحة عن عزمه على توسعة حزبه الجديد من خلال انضمام أنصاره وهو ما يعني استعداده مجدداً للمنافسة على منصب الرئاسة ودخول بلاده في مرحلة جديدة من الصراعات بينه وبين الرئيس الحالي. وستنصرف الحكومة الموالية لمحمد الشيخ الغزواني إلى الصراع مع الرئيس السابق وتسليط القضاء عليه في ملفات الفساد الجادة التي يلاحق بتهمها وفي التضييق على حزبه الجديد عوض الانصراف إلى العمل من أجل مصلحة البلد.
 
ولا يقتصر الأمر على هذين الرئيسين اللذين رغم فشلهما في إدارة شؤون الحكم في بلديهما يرغبان في تأبيد البقاء في المشهد السياسي، فالمنطقة المغاربية تعج بالمتلهفين على كراسي الحكم، والذين لا يكتفون بولاية أو ولايتين ويرغبون في تأبيد احتكارهم لكراسي الحكم وحتى الزعامة الحزبية. ففي بلد المليون شهيد احتكرت لويزا حنون زعامة "حزب العمال" لسنوات طويلة ولم تعرف "حركة النهضة الإخوانية" في تونس رئيساً فعلياً غير راشد الغنوشي، رغم الإيهام بخلاف ذلك من خلال تنصيب رؤساء صوريين في مرحلة الشتات ورغم ادعاء الحركة لتمسكها بالديموقراطية.
 
ولعل المتأمل في الأعداد المهولة من البشر الذين يقدمون ترشيحاتهم إلى الانتخابات الرئاسية التونسية مع كل استحقاق انتخابي للوصول إلى عرش قرطاج، يلحظ هذه اللهفة والرغبة المحمومة لدى عدد مهم من التونسيين والمغاربيين عموماً في الحصول على المناصب العليا وممارسة السلطة. كما أن العدد المهول للأحزاب السياسية في تونس والذي اقترب من الثلاثمئة حزب يثبت أيضاً هذا العشق اللامتناهي للكراسي، فالكل يعتقدون أنهم زعماء أفذاذ لا يشق لهم غبار يؤسسون الكيانات الجديدة عوض الإنضواء في الأحزاب القائمة.
 
ويرجع بعض الاختصاصيين النفسيين هذه الرغبة في التمسك بكراسي الحكم والتوق إليها مجدداً إلى أسباب عديدة، منها رواسب وعقد نفسية تجعل صاحبها يرغب في التصعيد بممارسة السلطة على غيره من أجل الشعور بالقوة تعويضاً لضعف كامن في أعماقه. ومن الأسباب أيضاً، ما يحكى عن بعض الناس المتزلفين المطبلين والشعوب التي دأبت على صناعة الأصنام والإيحاء إليها في أنها الأفضل والأكثر قدرة على إدارة شؤون البلاد والعباد، وهي التي تشجع هذه الأصنام المنتهية الصلاحية على العودة واستئناف العمل السياسي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم