إعلان

تحديات أمنية في مالي مع قرب الانسحاب الفرنسي التام

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
جنود فرنسيون في مالي
جنود فرنسيون في مالي
A+ A-
يعتبر حيز مهم من الموالين للحكم المركزي في مالي أن فرنسا بصدد خذلانهم من خلال انسحابها التدريجي من بلادهم، في وقت اشتد عود العناصر الانفصالية من طوارق أزواد شمال البلاد. كما أن التنظيمات التكفيرية التي يسيء وجودها في المنطقة إلى قضية الطوارق المضطهدين على أرضهم الملحقة استعمارياً بدولة مالي، باتت لديها القدرة على مقارعة الجيش المالي والتفوق عليه وهي التي كانت سنة 2012 قاب قوسين أو أدنى من احتلال العاصمة المالية باماكو بالتزامن مع إعلان قيام دولة إزواد في الشمال، لولا تدخل القوات الفرنسية التي أعادت الأمور إلى سيرتها الأولى.
 
تعد قاعدة تيساليت التي تسلمها الجيش المالي من الفرنسيين في الفترة الأخيرة رأس الحربة للفرنسيين باعتبارها تقع في تماس مباشر مع الانفصاليين الطوارق في أزواد، وهو ما يجعل نسبة الخطر مرتفعة على الجيش المالي الهش والضعيف. ففي أزواد توجد ثلاث قواعد عسكرية سلمت منها فرنسا اثنتين وهما تيساليت وكيدال فيما لا تزال الثالثة، وهي الواقعة في عاصمة الإقليم أي تمبكتو، بأيدي الفرنسيين وسيتم تسليمها في وقت قريب.
 
ويتوقع البعض أنه مع تسليم قاعدة تمبكتو ستنتهي سيطرة باماكو على إقليم أزواد وسيتمكن الطوارق من دحر الجيش المالي مجدداً وإعلان دولتهم المستقلة على غرار ما حصل سنة 2012 قبل أن ينهار الطوارق الوطنيون العلمانيون بدورهم أمام ضربات الجماعات التكفيرية. فقد تمكنت حركات تحرر الطوارق كما الجماعات الإرهابية الناشطة في المنطقة، وبعد انهيار الدولة في ليبيا في السنوات الأخيرة، من الحصول على الأسلحة سواء من مخازن القذافي أم من غيرها عبر المهربين والوسطاء. 
 
وقد قلبت هذه الأسلحة المتدفقة من ليبيا موازين القوى رأساً على عقب في مالي وكان جيش البلاد ذو العقيدة "العنصرية"، والذي أمعن تاريخياً في التنكيل بالطوارق المغاربيين، أهم ضحايا التوازنات "العسكرية" الجديدة وذلك بعدما حصل أعداؤه في حركات تحرير أزواد بالإضافة إلى عناصر الجماعات الإرهابية على ما يمكنهم من الحسم في أي مواجهة معه. ولعل سرعة انهيار هذا الجيش سنة 2012 أمام هذه التنظيمات يؤكد ذلك، وهو ما استدعى يومها فتح المجال الجوي الجزائري للطائرات الحربية الفرنسية لتقديم الغطاء الجوي للجيش المالي الذي انقلب على حكومة باماكو وحملها المسؤولية على عدم تسليحه كما يجب.
 
ويتوقع البعض أن تزيد وتيرة الهجمات على الجيش المالي بمجرد تسليم فرنسا قاعدة تمبكتو وانسحابها نهائياً من أزواد بعد إنهاء عملية برخان، وذلك رغم وجود قوات أممية هناك تحت مسمى بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما). فهذه القوات التي انتشرت مكان القوات الفرنسية في قواعد أزواد بمعية الجيش المالي، لا يبدو أن لديها القدرة الكافية على تأمين الحماية لجيش البلاد وتقديم السند اللازم له في مواجهاته مع من يناصبونه العداء.
 
فالضربات تتوالى مستهدفة الجيش المالي حتى قبل استكمال انسحاب القوات الفرنسية وآخرها الهجوم الذي استهدف دورية في أزواد قرب الحدود مع موريتانيا وتسبب بسقوط سبعة قتلى وعدد من الجرحى. وحتى القوات الأممية التي أرسلت للدعم يتم استهدافها بدورها ولا تستطيع تأمين الحماية لنفسها في مواجهة تنظيمات تتقن جيداً حرب العصابات واعتادت على شظف العيش وتقاتل على أرضها، وقد تمرست في الصراعات فوق تضاريس بلادها القاسية والقاحلة.
 
ومع اكتمال انسحاب القوات الفرنسية تجد باماكو نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تسليح الجيش تسليحاً معتبراً بجعله قادراً على التفوق لدحر انفصاليي الطوارق في أزواد وكذلك الجماعات التكفيرية المتعددة الجنسية والأعراق، وهذا أمر مكلف ولا قدرة للاقتصاد المالي المنهار على تحمل أعبائه، وإما الاعتماد على دولة أخرى لتقديم الدعم اللازم إذا اقتضت الحاجة الملحة ذلك. وفي هذا الإطار فإن الجزائر مرشحة لتكون الداعم للجيش المالي بالنظر إلى حساسية قضية الطوارق بالنسبة إلى بلد المليون شهيد وهي التي فتحت مجالها الجوي سابقاً للطائرات الفرنسية لقصف المتمردين على باماكو من الحركات الانفصالية الأزوادية وكذلك الجماعات التكفيرية.
 
الجزائر تخشى على وحدتها الترابية وأمنها القومي مما يحصل في مالي من تطورات في السنوات الأخيرة. ففي جنوب الجزائر طوارق قد يشجعهم انفصال أبناء جلدتهم في مالي على الانفصال بدورهم ما يجعل وحدة الأراضي المالية خطاً أحمر بالنسبة إلى الجزائريين. كما أن العناصر التكفيرية الناشطة في مالي على ارتباط بنظيرتها في كامل المنطقة المغاربية وتضم حمَلة الجنسية الجزائرية، وهو ما سيجعلها خط إمداد مهماً للجماعات التكفيرية الناشطة في الجزائر إذا استتبت لها الأمور في مالي المنهكة.
 
لكن هل يمكن الجزائر أن تغامر وتبعث بقوات عسكرية إلى الأراضي المالية بعدما صار دستورها يسمح بذلك بعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي دعا الرئيس عبدالمجيد تبّون إلى الاستفتاء عليها؟ ألن يؤدي ذلك إلى استنزاف قواتها في مستنقع مالي تبدو معاركه خاسرة ومكلفة لكل من تسول له نفسه وُلوجه على غرار فرنسا التي خسرت الكثير طيلة الأعوام الماضية؟
 
إن ما هو أكيد أن الجزائر لن تغامر بإرسال قوات إلى الأراضي المالية وستتدخل من خلال القنوات الدبلوماسية للعب دور الوساطة من أجل المصالحة بين الفرقاء، باعتبار أن وحدة الأراضي المالية هي مصلحة جزائرية أيضاً. كما أن الولايات المتحدة التي دعت فرنسا إلى عدم إنهاء عملية "برخان" بإمكانها من خلال قوات "أفريكوم" أن تلعب دوراً ما في ذلك البلد الأفريقي المحوري الذي يهدد عدم استقراره البلدان المغاربية وبلدان منطقة الساحل والصحراء.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم