الانتخابات الأميركيّة في ميزان العرب (٧): ترامب... استراتجيّة العودة

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
ترامب مع "جماهيره"
ترامب مع "جماهيره"
A+ A-
يحكم الناس الخوف والطمع، لذا يلجأ الساسة والقادة الى استخدام هذا الضعف أو ذاك لتحريك الجماهير والسيطرة عليها. فعبر التاريخ، دفع الخوف من المجهول والخطر المحدق، والطمع في الغنيمة والحال الأفضل، الناس الى التضحية، حتى بالأرواح للنجاة من الجحيم والفوز بالجنة، أو تحييد العدو وكسب ما عنده.  
 

والرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس أحمق كما يصفه خصومه، فهو يلاعبهم بالأدوات نفسها، وإن اختلف الأسلوب. فكما عملوا على تخويف الناس منه ومما يمثله من قيم على حريتهم وأسلوب حياتهم وعلى البيئة والعالم من حولهم، حرص هو على تصويرهم بالتيار الليبرالي، الماركسي، الأممي المنحاز للأجنبي، والمهدد لمستقبل البيض وسلطتهم ومصالحهم في بلادهم. وفيما أغرى خصومه الناخب بمستقبل أكثر حرية وحضارية وعالمية، بشّر ترامب بأميركا البيضاء العائدة الى جذورها الدينية والعنصرية، الحريصة على مصالحها ومكانة أهلها "الأصليين" أولاً، وليذهب الطامعون، والمتآمرون معهم، الى الجحيم.   

نجحت خطته في2016، ونجحت خطتهم في 2020، وكما وجدوا في كورونا خطراً مضافاً، وجد هو في الصين خطراً جديداً يضاف الى القائمة. وكما طمّعوا الناخب في اقتصاد أفضل وبيئة أكثر أمناً وحضارية، طمّعهم هو في سيطرة أقوى على بلادهم وغنائم أكثر من منافسيها. وهكذا انتهى الفارق بين نجاح هذه الاستراتجية وتلك، في كثير من الأحيان، الى بضعة آلاف من الأصوات رجّحت في نهاية المطاف كفّة بايدن.  

 ويتساءل المراقبون: لماذا لا يسلّم ترامب بالهزيمة؟ وهل بلغت به الطفولة المتأخرة أن يتمسك بآخر لوح من مركب يغرق؟ في ظني أن الأمر يتعلق بالخطة الأساسية، وبالأهداف المستقبلية. فالإصرار على اتهام الطرف الآخر بالسرقة والتزوير يخدم نظرية المؤامرة ويعزز الخوف والكراهية ويوحّد الصفوف في مواجهة العدو المفترض. ومع قناعة الرئيس وقادة حزبه بأنهم سيقرون بالهزيمة في نهاية المطاف، إلا أن نار الصراع لن تخفت وسيتم تسليم البيت الأبيض بنيّة مواصلة الحرب خلال السنوات الأربع المقبلة. ولو حافظ معسكرهم على الغالبية في مجلس الشيوخ مع التحسّن الأخير في معادلة مجلس النواب، باستعادتهم كثيراً من المقاعد في الانتخابات الأخيرة، فسيمكنهم تعطيل مشاريع الإدارة الديموقراطية القادمة، بدءاً بترشيحات القياديين في البيت الأبيض والقضاة في المحاكم الفيدرالية، وحتى العودة الى الاتفاق النووي واتفاقية المناخ وإلغاء العقوبات على إيران والصين والضرائب على بعض الحلفاء.   

وفي الوقت نفسه، سيواصل ترامب الحشد والتأليب الجماهيري لرفض التوجهات الليبرالية، وكشف التحيّز الإعلامي ومواجهة المشاريع البيئية وأي قرارات من شأنها تخفيض الدعم للقوات المسلحة ورجال الأمن والقطاع النفطي وصناعة السلاح. 

وعليه، أتوقع أن تكون المحطة المقبلة لترامب هي محطته السابقة نفسها، صف المعارضة. فمن مدرجات الجمهور، سيتابع أداء إدارة بايدن وأجنداته الداخلية والخارجية، ويعمل على قصفها إعلامياً باستحواذ أو إطلاق وسائل إعلامية مؤثرة، والمشاركة في البرامج السياسية واستغلال منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي (اقترب تعداد متابعيه في "تويتر" من حاجز المئة مليون) مع تنشيط الوسائط الإعلامية المحافظة (غادر ملايين الأعضاء المحافظين "فيسبوك" و"تويتر" و"انستغرام" الى منصات محافظة بديلة).  

 وما يقلق الديموقراطيين أكثر أن ظاهرة ترامب تحولت تياراً سياسياً وشعبياً عميقاً وقوياً (الترامبية)، وأن الحزب الجمهوري بات خاضعاً لهذا التيار وقائده، كما حدث في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، وخلالها. وكما يحدث اليوم في البلدان التي استيقظت فيها النعرة القومية التي تشعل نارها التي بدا أن الاتحاد الأوروبي نجح في إخمادها خلال عقود السلام السبع التي تلت الحرب العظمى. ففي بولندا مثلاً، يقود زعيم شعبوي وحزب قومي البلاد الى مواجهة، حتى مع الاتحاد الأوروبي، الذي أخرجها من دمار الحرب وبراثن الاتحاد السوفياتي الى مكانتها الحالية كدولة صناعية وماكنة اقتصادية تقارن بجارتها الأكبر ألمانيا.  

وفي تصوّري، أن ما يحدث في منطقتنا مرآة لما يحدث في أميركا. ففي بعض أكبر بلدانها، إيران وتركيا، يسود ويتنامى التيار القومي والديني، وتقود الشخصيات الشعبوية، وتقاد الجماهير بالخوف والطمع، الى دعم التدخلات الخارجية والصدامات الثورجية مع الجيران والعالم. وكما في واشنطن، تسيطر نظرية المؤامرة الكونية على العقليتين الفارسية والعثمانية، وتُصوّر العنتريات والعدوانية على أنها نضال ضد الأعداء والمخاطر المحدقة لا بدّ منها لحماية البلاد والمكتسبات الحضارية، والدفاع عن الموروث الديني والحفاظ على التفوّق العنصري، وأطماع استعادة الأمجاد الإمبراطورية وتوسيع دائرة السيطرة والاستحواذ على مناطق الثروات الطبيعية.  

وسياسة رفض النتائج والتمسك بالكرسي في واشنطن، سبقتها بغداد التي عكست نتائج الانتخابات البرلمانية التي تحدد رئيس الوزراء في 2008، لتجدّد لنوري المالكي، وطهران التي زوّر ملاليها نتائج الانتخابات الرئاسية في 2009 لتفويز أحمدي نجاد، ولحقتها اسطنبول التي أعادت فرز الانتخابات البلدية في 2019 بتوجيه رئاسي لهزيمة أمام أوغلو. ولا يستبعد ذلك في أي انتخابات مقبلة في هذه العواصم أو غيرها. الغريب، والطريف، أن أميركا التي كانت تبيعنا "بالغصب" ديموقراطيتها، أصبحت تشتري "بالرضا" ديموقراطيتنا .. وإذا استمرت الظاهرة، فإن القادم سيكون أغرب وأطرف!  

 

@kbatarfi 

  

 

 

 
الكلمات الدالة