إعلان

من التَوَهان إلى الاحتِقان... السودان في خطر!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
تظاهرات شعبية في الخرطوم. (أ ف ب)
تظاهرات شعبية في الخرطوم. (أ ف ب)
A+ A-
رويداً رويداً انتقل السودان من حالة التَوَهان إلى الاحتِقان السياسي الحاد، يدور في حلقة مفرغة من الأزمات من كل الأحجام والأصناف. أصبحت البلاد ساحة عراك عبثي على كراسي السلطة، بين المكوّنين المدني والعسكري ... عراك أسقط من حساباته مصالح الشعب السوداني الذي يواجه أوضاعاً قاسية، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. وسط هذه الفوضى العارمة، أطلق رئيس الوزراء عبدالله حمدوك مبادرة تتضمن خريطة طريق للعبور بالسودان من أخطر أزمة تهدد سلامة البلاد، على حد وصفه، لكن هذا يطرح سؤالاً: هل تكفي الشعارات الرنانة لتصحيح عوار المرحلة الانتقالية، في ظل التحديات والفراغين الدستوري والقيادي؟ أم أن حالة السيولة العارمة ستظل شبحاً مخيماً على سماء السودان يدفعه إلى نقطة اللاعودة؟.
 
مبادرة حمدوك
تضمنت مبادرة حمدوك بنوداً عدة؛ سعياً لتسوية سياسية تحلحل الأزمة الحالية وتفتح الطريق الشائك نحو الانتقال الديموقراطي والمجلس التشريعي المنتخب، وتحقيق أكبر إجماع ممكن حولها بين القوى الفاعلة على الساحة السودانية. الأسس التي تقوم عليها المبادرة تتشابه كثيراً مع مبادرة سابقة، طرحها حمدوك قبل شهرين تقريباً، وتنص على مقترحات لإصلاح القطاع الأمني وتوحيد المؤسسة العسكرية في جيش قومي بعقيدة عسكرية جديدة، وقضايا العدالة الانتقالية ومعالجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة وتفكيك النظام البائد ومحاربة الفساد، والتعامل البنّاء مع مشكلة شرق السودان، والالتزام بتنفيذ اتفاق السلام واستكماله، إضافة إلى إنهاء التضارب حول ملفات السياسة الخارجية، في ظل الأزمات مع بعض دول الجوار. وأوضح حمدوك أن السودان يمر بـ"أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال الديموقراطي"، واعتبر أن جوهر الأزمة هو "تعذر الاتفاق على مشروع وطني بين قوى الثورة والتغيير"، موضحاً أن هذا التعذر يعود إلى "انقسامات عميقة وسط المدنيين ووسط العسكريين وبين المدنيين والعسكريين"، مؤكداً أن الفترة الانتقالية ستنتهي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في البلاد، وتسليم السلطة لمن يختاره الشعب.
 
منذ ثورة كانون الأول (ديسمبر) 2019 حكمت صيغة "الوثيقة الدستورية" التي أنجبت تحالف الحكم الحالي بمكونيه العسكري والمدني، لكن يبدو أن تلك الصيغة التوافقية باتت عاجزة عن الصمود أمام الأزمات المستفحلة، والتي بلغت ذروتها عقب محاولة الانقلاب الفاشلة الشهر الماضي، حيث تبادل الجانبان المدني والعسكري الاتهامات بالسعي للاستفراد بالسلطة. اتهم العضو المدني بمجلس السيادة الانتقالي، محمد الفكي سليمان، العسكريين بمحاولة الاستحواذ على السلطة، وذكر موقع "سودان تريبيون"، أن حمدوك رفض طلب رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، بحل الحكومة وتشكيل حكومة جديدة. بينما عبرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجهات تمويل دولية عن مساندتها إتمام مسيرة التحول الديموقراطي بالسودان وهيمنة المكون المدني على قرار البلاد وتوجهات الجيش السوداني. أثار ذلك غضب الفريق حميدتي نائب رئيس مجلس السيادة، داعياً المجتمع الدولي إلى دعم الشعب السوداني، وليس أي حزب أو جبهة، وأضاف: "لا نقبل تهديداً من أي طرف بالمجتمع الدولي".
 
طالبو السلطة
ينظر العسكريون إلى تحالف "الحرية والتغيير"، الحاضنة السياسية لحكومة حمدوك؛ باعتبارهم طالبي سلطة وليسوا بناة أوطان. في المقابل، قال عضو المجلس المركزي لـ"الحرية والتغيير"، أحمد حضرة، إن "سيناريو البرهان هو الحصول على تفويض للاستمرار في رئاسة مجلس السيادة، مع رفض المكون العسكري أن يرأسهم مدني"، مشدداً على أن "الحرية والتغيير" يرفض الخطوتين. يتولى البرهان منصبي القائد العام للجيش ورئاسة مجلس السيادة، ويُفترض أن يتولى شخص مدني رئاسة المجلس الشهر المقبل، وهو ما يسعى العسكريون لعرقلته. وقد توقفت مُنذ 21 الشهر الماضي، اجتماعات مجالس السيادة والشركاء والأمن والدفاع والبرلمان الموقت والمجلس الأعلى للسلام، عقب الانقلاب الفاشل الذي تبادل الطرفان المدني والعسكري الاتهامات بالمسؤولية عنه. كما أفلح العسكريون في شق صف المعسكر المدني؛ حيث انسحب جناح (ق ح ت) من تحالف "الحرية والتغيير"، ويضم وزير المالية جبريل إبراهيم زعيم "حركة العدل والمساواة الدارفورية"، وحاكم إقليم دارفور منى أركو مناوي، وهو الجناح الذي تتناغم رؤاه مع المكوّن العسكري في المطالبة بتغيير الحكومة وتوسيع المشاركة السياسية. ولا شك في أنه لو تمت إزاحة حكومة حمدوك، فسيكون ذلك انتصاراً للعسكريين، على أكثر من مستوى، أهمها تجنب شبهة "الانقلاب العسكري"، وبالتالي النجاة من أي عقوبات من الاتحاد الأفريقي أو المجتمع الدولي، في حالة كتلك، كما أنها ستحجّم حضور قوى "الحرية والتغيير"، كفاعل أصيل في المعادلة السياسية الحالية.
 
الكباش المدني - العسكري في السودان، ليس جديداً، فهو سيناريو يكاد يكون متكرراً، فيما سمي "ثورات الربيع العربي"، لكنه يأتي هذه المرة بوقت تتدهور فيه أحوال السودانيين في ظل أزمة اقتصادية موروثة منذ عهد عمر البشير، وتفاقمت نتيجة نقص السلع الأساسية؛ بسبب إغلاق بورتسودان الميناء الرئيسي للبلاد على البحر الأحمر، الذي يؤمن 85 في المئة من احتياجات البلاد.
 
الشعارات الرنانة
تمثل مبادرة عبدالله حمدوك خريطة طريق لتجاوز حالة الجمود والانسداد، نحو حلول شاملة لأزمات السودان، لكن ليس من السهل توقّع نجاح "المبادرة" في بلوغ أهدافها؛ يرتهن ذلك بتوافر الظروف الموضوعية اللازمة، وعلى رأسها حدوث توافق سياسي بين القوى السودانية المختلفة وقدرتها على بناء عقد اجتماعي، لا سيما في ظل حالة الاستقطاب، إذ يسعى بعض الأطراف لاحتواء المبادرة وجعلها تحت إبطيه، ما يُنذر بأفراغها من مضمونها؛ حتى في وجود التأييد الشعبي لمبادرة رئيس الوزراء بالشارع السوداني المنهك، لا سيما بعض القوى القبلية، في حين ترى قوى أخرى خاصة في الشرق أن مبادرة حمدوك لا تعدو أكثر من مناورة سياسية وإنحناءة للريح؛ بالنظر إلى أنه لم يقدم رؤية جديدة خارج سياق الأزمة الراهنة ولم يبادر بخطوات مطلوبة. وعلى سبيل المثال، لم يصدر قراراً بتكوين مفوضية الانتخابات. وبذلك لا يختلف حمدوك، ومن ورائه المكوّن المدني، عن المكوّن العسكري، في إطلاق شعارات فضفاضة، سرعان ما تتكشف هشاشة أسسها، ما أورث البلاد العجز والفشل. وقد اعترف حمدوك بأن القوى الفاعلة لا تملك أي مشاريع سياسية؛ ما يشير إلى أن الأزمة السياسية سوف تستمر بصورة أعمق، وربما يؤدي الصراع المحموم لكسب السلطة في الشارع السوداني إلى المزيد من تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ، لذا يصعب إنجاز اختراق حقيقي ينتشل الخرطوم من حالة التوَهان والاحتِقان، يقدم معالجات للضائقة الاقتصادية والأحوال المعيشية للسودانيين، وبالتالي يكفل تحصين الانتقال الديموقراطي المرتجى. الشواهد كثيرة بدءاً من التراشق المتواصل بين المكوّنين المدني والعسكري، وليس انتهاء بالتدخلات الخارجية لتأجيج المشهد -تصب إثيوبيا وإريتريا المزيد من الزيت على النار المشتعلة شرق السودان- وتغيير قواعد لعبة السلطة الحالية.
 
الحقيقة الثابتة أن كل الأطراف في الساحة السودانية شركاء في المسؤولية عن الإخفاقات الراهنة، وقد تسقط حكومة حمدوك في أي لحظة أو يشتعل الشارع نقمة على العسكريين والمدنيين، ومن ثمّ تحتاج الخرطوم في هذا الوقت العصيب إلى قيادات تجنبها السيناريو الأسوأ الذي تحركه مرارة اليأس بدلاً من فتح طاقات الأمل ... السودان في خطر؛ والشعارات الرنانة وحدها لا تكفي!.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم