إعلان

الأزمات اللبنانيّة وحلول الخارج

المصدر: النهار العربي، زكريا الغول
كل الحلول للأزمات اللبنانية كانت تتم عبر تدخل دولي أو عربي.
كل الحلول للأزمات اللبنانية كانت تتم عبر تدخل دولي أو عربي.
A+ A-

قد لا تكون الأزمة التي يمرّ بها لبنان هي أولى الأزمات التي عصفت ببلاد الأرز، فقد سبقتها أزمات كبرى منذ ما قبل إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920، لكن الأزمة الحالية هي الأخطر، كونها أصبحت متشعبة لدرجة استحالة اجتراح حلول لها، ما دفع فرنسا للتدخل في محاولة لإيجاد حل لتلك المعضلة الوجودية، فكانت المبادرة الفرنسية التي تترنح حالياً.

 

إن أولى الأزمات الكبرى التي مرّت على الأراضي والتي شكلت أراضي الجمهورية اللبنانية، كانت قد بدأت عام 1840، في فترة الحكم المصري لبلاد الشام ومنها أراضي لبنان حالياً، حين عُقد تحالف أوروبي - عثماني، مهمته إخراج القوات المصرية والسماح بعودة العثمانيين الى المناطق التي كانوا قد خسروها سابقاً، وبالفعل تم إخراج المصريين بالقوة نتيجة لدخول قوات التحالف المذكور وسيطرته على المنطقة، ومنها لبنان، وتم نفي الأمير بشير حليف المصريين أيضاً، فكان أن ابتدعت القوى الكبرى حينها نظام القائمقاميتين في جبل لبنان، نظراً للظروف التي كانت قائمة في الجبل بعد انهيار نظام الإمارة،  فكان أول حل دولي لأزمة داخلية لبنانية، وبعد فشل نظام القائمقاميتين حدثت فتنة عام 1860، وكانت أخطر وأقسى من سابقتها، ليتم أيضاً حل تلك الأزمة التي وصلت الى مدينة دمشق، عبر القوى الكبرى التي عقدت تسوية في ما بينها لحل الأزمة اللبنانية، فكان إقرار نظام المتصرفية عبر المؤتمر الدولي الذي عُقد في بيروت في الرابع من أيار عام 1861.

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، دخلت الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية تحت سلطة قوات الحلفاء في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1918، إنفاذاً لنص اتفاقية سايكس – بيكو، وأُعلنت دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول (سبتمبر) عام 1920 عبر الجنرال غورو، وسط اختلاف كبير بين مطالبين بالانضمام الى سوريا ومؤيدين لدولة لبنان الكبير، واستمر الاختلاف برغم إعلان الجمهورية اللبنانية في الثالث والعشرين من أيار عام 1926، ليبدأ التحوّل في موقف بعض القيادات اللبنانية عام 1936 عقب المعاهدة السورية – الفرنسية والمعاهدة المصرية – البريطانية في العام نفسه.

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت المطالبات باستقلال لبنان بدعم بريطاني – عربي، واستغلال وضع فرنسا المتأزم، فكان لتلك القوى الدور البارز في نيل اللبنانيين استقلالهم، وتزامن معها عقد ميثاق سنة 1943، بجهود محلية وعربية، وتحديداً مصرية وهاشمية.

 

شكلت خمسينيات القرن الماضي فترة ملتهبة في تاريخ لبنان، وبرغم الطفرة الاقتصادية الناجمة عن تدفق الرساميل الخليجية الناجمة عن عائدات النفط، ونتيجة لانتقال الرساميل الفلسطينية الى لبنان عقب نكبة عام 1948، فقد حمل العام 1958 معه شبه حرب أهلية نتيجة انقسام اللبنانيين بين معسكرين عربيين، المعسكر الذي تقوده مصر برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر في مواجهة حلف بغداد بوجهه العربي المتمثل بالعراق الهاشمي بشخص رئيس وزرائه نوري السعيد، فكان أن تم إنهاء تلك الحرب الصغيرة التي سُميت بثورة عام 1958، عبر اتفاق أميركي – مصري قضى بانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.

 

بدأت الأزمة اللبنانية تعصف مجدداً في ستينيات القرن الماضي، عبر سلسلة إشكالات ومعارك متفرقة محورها الوجود الفلسطيني في لبنان، فتم توقيع اتفاق القاهرة عام 1969، لتطل الأزمة بشكل أكبر وأخطر عام 1975 مع اندلاع شرارة الحرب الأهلية، فبدأت محاولات دولية – عربية لحل الأزمة، وتمثلت بدخول قوات الردع العربية الى لبنان في حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) من العام 1976، لكن الأمور تفاقمت ووصلت ذروتها مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران (يونيو) من العام 1982، ليبدأ المفاوض الأميركي فيليب حبيب مشاوراته لحل الأزمة، وتم ترحيل المقاتلين الفلسطينيين ودخول القوات المتعددة الجنسيات.

حفلت فترة الحرب الأهلية بمحاولات عديدة لإنهائها عبر مؤتمرات دولية، من جنيف ولوزان، عُرفت بمؤتمرات الحوار الوطني، لكن كل تلك المؤتمرات لم تثمر حلاً، لحين حصول نضج لإنتاج تسوية للملف اللبناني، عبر مؤتمر عُقد في مدينة الطائف السعودية برعاية أميركية - عربية، وتحديداً سعودية ـ سورية، وتم توقيع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عبر إقرار تعديلات دستورية، ليحمل العام 1990 معه انقلاباً في الموازين الدولية مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتحطيم جدار برلين، وكانت الطامة الكبرى باحتلال العراق للكويت، وتشكل على الأثر تحالف دولي لإخراج القوات العراقية من الكويت بمشاركة عربية، أبرزها سورية، فتم إعطاء النظام السوري مقابل ذلك تفويضاً لبسط سيطرته التامة على لبنان، واستمر ذلك التفويض حتى عام 2004 ليبداً مناخ دولي جديد حول لبنان في رفض التمديد للرئيس إميل لحود، فتم إقرار القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.

 

كان العام 2005 مفصلياً في تاريخ لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط (فبراير)، فتم إخراج القوات السورية من لبنان، وانقسم اللبنانيون عمودياً، واستعر الخلاف في عامي 2006 و2007، ليأتي العام 2008 حاملاً معه حرباً أهلية مصغرة نتج منها اتفاق الدوحة لحل تلك الأزمة برعاية قطرية – تركية وجهود دولية، متزامناً مع وصول أوباما الى البيت الأبيض.

بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، حصل فراغ رئاسي كبير في لبنان استمر عامين، لتحصل تسوية داخلية برعاية دولية – إقليمية تمثلت بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية عام 2016، واستمرت التسوية حتى العام 2019 الذي شهد في السابع عشر من تشرين الأول انطلاق الثورة رفضاً للسياسات الاقتصادية، ما أطاح التسوية الرئاسية وعمّق الأزمة اللبنانية التي تشعّبت وأطاحت النظام المصرفي اللبناني وجعلت لبنان بلداً مفلساً نتيجة تمنعه عن سداد ديونه، كما تعرّض لبنان الى عزلة غير مسبوقة نتيجة السياسات الحكومية الخارجية الخاطئة.

الرابع من آب عام 2020، حمل معه ثالث أكبر انفجار في تاريخ البشرية، أطاح مرفأ بيروت رئة المدينة التاريخي، فعاد التدخل الخارجي في محاولة لحل الأزمة اللبنانية غير المسبوقة، عبر مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكن شياطين التفاصيل اللبنانية هشّمت تلك المبادرة.

كل الحلول للأزمات اللبنانية كانت تتم عبر تدخل دولي أو عربي، ولعله من المناسب أن يبدأ اللبنانيون بإيجاد حل داخلي لأزماتهم عساه يكون حلاً دائماً، بدل الحلول الدولية المؤقتة.

 


*محام وكاتب سياسي

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم