إعلان

نسخة جديدة للحرب الباردة... وصورة رديئة

المصدر: هادي جان بو شعيا- النهار العربي
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
A+ A-
أطلقت روسيا إجراءات الانسحاب من اتفاق الأجواء المفتوحة الذي أُبرم في عام 1992. الخطوة الروسية جاءت بعد مغادرة الولايات المتحدة الاتفاق من جانب واحد في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020. وشددت موسكو على أن انسحاب واشنطن جاء بذرائع واهية، مؤكدةً أن ذلك سينسف توازن مصالح الدول الأطراف في الاتفاق، بل ويلحق الضرر بفعاليته وبدوره كآلية لتعزيز الأمن والثقة. فهل نحن أمام انهيار النظام الدولي لمراقبة الأسلحة؟
 
يشكّل خروج الولايات المتحدة وروسيا من الاتفاق تهديداً لمراقبة الأسلحة النووية الإستراتيجية في تلك الدولتين وهو ما يقلق الدول الأوروبية. هذه المخاوف يراها البعض مشروعة لأن الاتفاق يساهم في الأمن والسلم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية برمّته. 
 
فما مصير الاتفاق بعد انسحاب روسيا والولايات المتحدة منه؟ وكيف سينعكس ذلك على أمن واستقرار الدول الموقّعة عليه؟ ولماذا اختارت موسكو هذا التوقيت؟ وكيف ستتعامل إدارة بايدن القادمة مع هذه التطوّرات؟
 
تأتي خطوة روسيا الآن بهدف طيّ ربما صفحة العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة في خلال عهد إدارة دونالد ترامب والتمهيد لانبلاج فجر جديد تحت إدارة جو بايدن.
في حين يشكّل السياق السياسي أهمية بالغة للتذكير فقط أن تحلّل ترامب من هذا الاتفاق لم يتم في بداية عهده في 2017 وسط دعوته آنذاك الى الانعزالية السياسية والتركيز على البيت الداخلي الأميركي، إنما يأتي بعيد هزيمته في الانتخابات، والسبب الخفي يتجلى بمحاولته، بشتى الوسائل سواء بإزاء الشرق الأوسط وبإزاء روسيا ومناطق أخرى، أن يزرع ألغاماً إستراتيجية في طريق بايدن وعهده. حيث يرى الأخير في روسيا خصماً وعدوّاً في حين ينظر إلى الصين كمنافس اقتصاديّ.
 
لذلك يُعاب على روسيا أنها فرّطت بهذا الاتفاق بعد خروجها منه وهي تحتاج اليه بإزاء الأوروبيين والأميركيين على السواء، خصوصاً أن الاتفاقية أتت لبناء الثقة أو الوفاق الجديد neo detente الذي شهدناه إبّان الحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكي والغربي. ولعل المعضلة تتلخّص بخروج ميزانَي القوى من الإتفاقية، ما يقودنا إلى سؤال إستراتيجي: ما فائدة هكذا خطوات تجاه الإستراتيجية الأوروبية؟
 
لعلّ التعويل على الحركة التصحيحية التي رسمها بايدن والداعية للانفتاح على العالم قد تصوّب القرارات الجزافية الانتقامية والاستباقية التي اتخذها ترامب.
 
اليوم، هناك توجّه للدول الكبرى يتبنى مبدأ الواقعية في التعاطي والبراغماتية ناهيك بسياسة التوازن التي تتجلى بسياسة بايدن وهو الانفتاح على العالم بأسره سواء تجاه الصين وروسيا وأوروبا وإسرائيل ودول الشرق الأقصى والأوسط.
 
بالعودة إلى الاتفاقية، فهي جاءت في 1992، اي بعد نهاية الحرب الباردة، ولم تدخل حيّز التنفيذ حتى عام 2002. ولعل مستقبل هذه الاتفاقية يحاكي أيضاً مستقبل الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران سواء في عهد ترامب الذي خرج منه ومساعي بايدن للعودة إليه بصيغته القديمة او تعديله وفق صيغة جديدة. 
 
لذلك لا بدّ للحكمة السياسية أن تسود عواصم القرار، إن كان في واشنطن والعواصم الأوروبية وحتى في الكرملين، وتستدعي إعادة البحث سواء باتجاه إحياء الاتفاقية أو التوافق على الأقل على صيغة أخرى كون موتها يعني العودة إلى حرب باردة تكون مغايرة تماماً لتلك التي شهدناها في تسعينات القرن الماضي.
 
كما أن هناك اختباراً جديداً يرسم ملامح المرحلة المقبلة وهو اتفاق "نيو ستارت" والذي ينتهي في 5 شباط (فبراير) المقبل يتعلّق بالترسانة النووية لكل من روسيا وأميركا ويشكل امتحاناً جدياً في العلاقات بين القوتين. 
 
في الختام، مرحلة جديدة بدأت اليوم ملامحها تبرز إلى العلن وتقضي بأن على الكثير من الدول المؤثرة وعلى رأسها ألمانيا البدء بالتفكير بضرورة إبرام اتفاقيات جديدة تحل مكان تلك القديمة، خصوصاً في ما يتعلّق بالسلم والأمن العالميين والتخوّف الذي ابداه الأوروبيون، بعد خروج أميركا من الاتفاقية، وعلى رأسهم فرنسا وانكلترا وألمانيا. والدور اليوم المعوّل على المانيا يتمثل بلعب دور الوسيط في قضايا عدة منها اتفاقية الأجواء المفتوحة وإدخال بعض الإصلاحات عليها كما بالنسبة إلى اتفاقية نيو - ستارت، فضلاً عن حلحلة الملف النووي الإيراني موضع الخلاف الأميركي - الروسي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم