إعلان

اليابان تتغيّر ... كيف ستكون الحياة فيها مستقبلاً؟

المصدر: أمل بو غنّام - النهار العربي
مهرجان الخريف ... صلاة على ضريح ياسوكوني في طوكيو. (أ ف ب)
مهرجان الخريف ... صلاة على ضريح ياسوكوني في طوكيو. (أ ف ب)
A+ A-
تركت الحرب العالمية الثانية بصمتها على مختلف الدّول، ومن بينها اليابان الّتي كان لها نصيب من مخلّفات الحرب؛ فقد أصابها دمار هائل، وعانت من انتشار الفقر وتشرّد عدد كبير من العائلات، وقارَبَ عدد المهددين بالموت جوعاً فيها العشرة ملايين شخص وتفشّت البطالة. عملت القيادة اليابانية بصمت على إقامة توازن بين مصالح البلاد العليا وتوجيهات قيادة الاحتلال العليا، فيما انصرف اليابانيون إلى العمل الجاد والصارم لإعادة اعمار البلاد والنهوض بها، واستعادة مكانتها بين دول العالم، من خلال تحقيق الانتعاش الاقتصادي عبر الارتكاز على مبادئ أساسيّة كالنهضة العلمية - الصناعية، والاعتماد على الذات المنضبطة والروح الوطنية والتكنولوجيا؛ وقد تحقّقت مساعيهم فأصبحت اليابان في سبعينات القرن العشرين واحدةً من أقوى الدول الاقتصادية في العالم، ومنافساً اقتصاديّاً للولايات المتحدة؛ على الرغم من سيطرة الطّابع الجبليّ على أكثر من 70 في المئة من أراضيها، ويعيش فيها نحو 130 مليون نسمة.
 
ونتجت من هذه النهضة السريعة تغيّرات في طبيعة الحياة اليابانية، لا سيما بعد أن تعافت ممّا لحق بها جرّاء إلقاء القنابل النووية على مدنها؛ فما هي التغييرات التي أصابت المجتمع والحياة الأسرية العصرية؟ وما مدى تأثيرها في مستقبل اليابان؟ وهل ستتمكّن اليابان من تدارك هذه الأزمات وإنقاذ شعبها من المشاكل الاجتماعية التي بالطبع ستكون لها انعكاسات على الاقتصاد وعلى طبيعة البلاد؟
 
ذكرت "رويترز" أنّ وزارة التربية اليابانية والتعليم العالي لديها أكثر من ألف مبنى مدرسي شاغر، وترغب في بيعها، وذلك بعد أن أغلقت حوالى 5800 مبنى مدرسة عامة بين عامي 2002 و 2013. وأعلنت أنّ هناك مدارس كثيرة أخرى ينبغي إقفالها بسبب النقص الهائل في عدد التلامذة، كما تمّ هدم مئات المباني. ونشرت الوكالة أيضاً خبر إلغاء خطوط القطارات بسبب انخفاض عدد الأولاد المتوجّهين إلى المدارس. ويعود ذلك نتيجة ازدياد نسبة المسنّين وانخفاض نسبة الإنجاب، وعزوف الياباني عنه؛ وهذا ما أدى إلى تفريغ المناطق الريفية من المدراس وانتقال بعضهم للسّكن في المدن.
 
وأضافت أنّ بعض المدارس مثال مدرسة Seitoku تحوّلت إلى ثانوية خاصة رفيعة المستوى، وهذا إنْ دلّ الى شيء فهو يدلّ الى انخفاض العبء عن عاتق المدارس وزيادة الرفاهية. وتحوّل بعض المباني إلى مراكز صحية وترفيهية لكبار السنّ بعد زيادة عددهم. بعض المدارس الابتدائية تحول إلى منتجعات أو مراكز انتاجية أو دُمجت، ما يشير إلى خلل كبير في البنية السكانية للمجتمع الياباني.
 
كانت لهذا الازدهار الاقتصادي تداعيات على طبيعة حياة فئة كبيرة من اليابانيين الّذين تتراوح أعمارهم بين 20 و59 عاماً، فصاروا أكثر انطواءً وانعزالاً على أنفسهم وقد أطلقت عليهم كلمة SNEP؛ وهي فئة العاطلين من العمل وغير المتزوجين. ترافق ظهور هذه الكلمة مع الإنفراج الاقتصادي منذ سبعينات القرن الماضي، ولا تزال أعدادهم تتزايد في شكل كبير على الرغم من اهتمام الدولة اليابانية بإجراء الدراسات الأساسية للحياة الاجتماعية، كما عكست هذه الظاهرة بروز مشاكل عديدة.
 
تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، رصد أيضاً الحاجة إلى عاملِين من خارج اليابان، بسبب تقلص عدد السكان وتقدمهم في السّن، ففُتِحت الأبواب أمام العمال المهاجرين من الدول الآسيوية القريبة من طوكيو، حيث اعتبر صانعو السياسة في اليابان أنّ العمالة الأسيوية من جاوة؛ تمثل حلاً مناسباً لمواجهة مشكلة تقلُّص أعداد سكان البلاد. واضطرت الحكومة اليابانية أخيراً إلى تخفيف سياستها الصارمة تجاه الهجرة؛ ووافقت على تشريع الأبواب أمام ما يصل إلى نصف مليون عامل أجنبي بحلول سنة 2025. وهذا ما اعتبره البعض نهاية المعارضة اليابانية التقليدية الواسعة النطاق للهجرة. ومُنِح هؤلاء العمّال بعض الامتيازات في مجالات التدريس والطب والهندسة والقانون.
 
وهنا نتساءل: كيف سيكون الوضع إذا بقيت الأمور على حالها، ولم تسارع اليابان إلى معالجة هذا الخلل السكاني؟ وهل ستكون هذه التغييرات التي طرأت على المجتمع الياباني سبباً في إثارة الأزمات والمشاكل بين اليابانيين والمهاجرين، فتشهد اليابان ما شهدته بلدان أخرى؟ وهل ستسمح اليابان بالتساهل في إعطاء الجنسية للمقيمين وأصحاب العمل؟ أم أنّه مع ازدياد أعداد المهاجرين سوف تواجه مشاكل متعلقة بتداعيات وجود الأجنبي على أراضيها، ونقل أفكار وأيديولوجيات متنوعة كانت قد نأت بنفسها عنها لسنوات طويلة ما سمح لها بتحقيق التقدم؛ لا سيما بعد أن دعا رئيس الوزراء شينزو آبي إلى استقدام المزيد من العمال الأجانب ممن يتقاضون أجوراً منخفضة، وسمح بقبول مئات الآلاف من عمال الوظائف اليدوية بحلول 2025؟
 
هل ستعاني اليابان من الأزمات التي خلقتها العولمة، أم أنّها ستحاول حلّ بعض المشاكل بانضمامها إلى الدول التي أقرّت تخفيض ساعات العمل أو التعديل في أيام العمل لتكون 4 أيام بدل خمسة لتحسين التوازن بين العمل والحياة؟ وقد جاءت هذه الخطوة نتيجة جائحة كوفيد-19 حيث أصبحت ساعات العمل مرنة وعن بعد، والتي اعتبرتها الحكومة اليابانية أنها خطوة مناسبة لتتمكّن الشركات من الاحتفاظ بالموظفين الأكفاء وذوي الخبرة، والذين كانوا يلجأون إلى حلول سلبية لحلّ المشاكل الناتجة من ضغوط العمل من مرض وانتحار وإهمال المسنين، وغيرها من المشاكل، من دون المسّ بمستحقات العمال والموظفين الذين ينصرفون عن الاهتمام بالحياة اليومية والعائلية والترفيهية لتحريك الجمود الاقتصادي الداخلي، وإنجاب الأطفال. كما يسمح لهم باكتساب مهارات جديدة، ووقت للتفكير الابداعي، وبالتالي تصبح كل دولة منقسمة إلى عمال ومستخدمين ونخبة تملك الثروة والقدرة على الابتكار.
 
إذاً، ماذا ينتظر الطبقات الفقيرة في عصر ما بعد الثورة التكنولوجية وما بعد جائحة كوفيد-19؟ هل سيكون عصر الخلّاق والخلّاقين على كل المستويات، وينقسم العالم إلى طبقتين: طبقة المبدعين الّذين يتمتعون برفاهية العيش وطبقة المستخدمين الذين يقدّمون لهم الخدمات! تتسارع الأحداث ويلجأ بعض الدول إلى توطين مجموعات من المهرة والمبدعين لتكون شريكة في حكم العالم مستقبلاً؛ فكيف سيكون النظام العالمي الذي يشهد تغييرات كبيرة على صعيد العلاقات الدولية بعد جائحة كوفيد-19، وإعادة الدول هيكلة مؤسساتها؟
 
*متخصصة في شؤون اليابان الحديثة
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم