إعلان

نظرية "المؤامرة المحاصرة" في ضوء الأحداث الأخيرة في لبنان

المصدر: النهار العربي
د.ناصر زيدان
الجيش اللبناني خلال أحداث الطيونة
الجيش اللبناني خلال أحداث الطيونة
A+ A-
نظرية المؤامرة ونظرية المحاصرة "أو الحصار" توصيفات يتم تداولها بكثرة في لبنان، بينما البلاد ترزح تحت أسوأ أزمة في تاريخها، تتداخل فيها الأحداث الأمنية والتهديدات للقضاء مع عتمة مُطبقة توقفت معها معامل كهرباء المؤسسة الحكومية عن الانتاج، والليرة اللبنانية عادت تترنح أمام الدولار الأميركي بعد أن شهدت بعض الانتعاش، بحيث تجاوز سعر الصرف مجدداً 20 الف ليرة مقابل الدولار بعد أن تراجع الى ما دون 15 الفاً عند تشكيل الحكومة قبل نحو شهر.
 
فريق "حزب الله" يتحدث عن مؤامرة تقودها "القوات اللبنانية" بمساعدة خارجية لمحاربة "المقاومة"، ويحمِّل هذا الفريق، "القوات" المسؤولية عن الأحداث التي حصلت في منطقة الطيونة في شرق بيروت في 14 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وهي المحلة ذاتها التي اندلعت فيها الحرب الأهلية في 13 نيسان (أبريل) عام 1975، لكن الصور التي نقلت وقائع الإشتباكات المسلحة التي حصلت، لم تُشِر الى أي مشهد لعناصر من "القوات" تحمل السلاح، بينما كانت عناصر الحزب ومناصريه تصول وتجول بأسلحتها الخفيفة والمتوسطة وتطلق النار. والمفارقة أن ضحايا أحداث الخميس الماضي كانوا في غالبيتهم من الفريق الذي يقوده "حزب الله". يبدو أن هناك أسراراً غير معلنة حول ما جرى، بينما كانت الدوافع التي مهدت للأحداث وسبباً لها؛ تظاهرة غريبة - دخل بعض المشاركين فيها الى أحياء منطقة بدارو المسيحية - على غير ما هو مرسوم من قبل منظمي التظاهرة في "حزب الله" و"حركة أمل"، وهي كانت تطالب بتنحّي قاضي التحقيق بملف انفجار المرفأ طارق البيطار. وسواء كان إطلاق النار على المتظاهرين ومن ثمَّ على المنازل السكنية، جاء عن خوف ودفاعاً عن النفس أو بواسطة خطة مدبرة، فقد أخذت الأحداث أبعاداً خطيرة تهدد السلم الأهلي. بينما الكلام عن المؤامرة لم يترافق مع أي دليل حسي يؤكد هذه الواقعة، أو ربما تكون المؤامرة قد أُعدّت من طرف آخر غير "القوات"، لأن عناصر هذه الأخيرة لم يظهروا الى العلن نهائياً إبان الإشتباكات.
 
فرقاء الصراع السياسي يتحدثون عن حصار خارجي يتعرَّض له لبنان، وهو ما يؤدي الى تفاقم الانهيار المالي والاقتصادي، ويعوِّق انطلاق العمل الانقاذي للحكومة. والقوى المتقابلة تتبادل الاتهامات الإعلامية والسياسية حول أسباب الأزمة، وتختلف تفسيراتهم لحالة الحصار الذي يتعرض له لبنان. فبينما تعتبر قوى الممانعة الحليفة لإيران أن أميركا هي التي تحاصر لبنان، ترى القوى المعارضة "أن الحصار موجود بسبب ربط لبنان بمحور البؤس والشر" والذي خلق للبلاد مشكلات مع معظم دول العالم، لا سيما مع اشقائه العرب القادرين على مساعدته أكثر من غيرهم. وفئة أخرى من اللبنانيين ترى أن أسباب الأزمة ناتجة من سوء إدارة الدولة، والاستباحة التي تتعرَّض لها مؤسساتها الرئيسية من القوى النافذة.
 
غالبية واضحة من اللبنانيين تعتقد أن استخدام لبنان كساحة للمماحكة الدولية والإقليمية تحت شعاراتٍ واهية بمقاومة إسرائيل، هي التي أدت الى الانهيار، وعزلت لبنان وقوّضت مصالح أبنائه، بينما الذين استفادوا من لبنان كمنصة لدعم سياستهم التوسعية في الإقليم لم يقدِّموا للناس سوى الشعارات الخشبية، وهم تحركوا في الفترة الأخيرة وأدخلوا المازوت تهريباً الى الأسواق بحجة المساعدة، بينما الواضح من خلال طريقة تسويق هذه المادة من قبل "حزب الله" وحلفائه، أن العملية كانت محض تجارية وانتخابية، وقد استفادوا من أموال الضريبة الجمركية التي لم تدفع لخزينة الدولة المتهالكة، وخفضوا سعر المازوت بما يعادل قيمة الضريبة غير المدفوعة، كما أن الكميات تُسلَّم وفق جدول أولويات "حزب الله". وفي المقابل أعطوا بفعلتهم دليلاً واضحاً على أن حدود لبنان مُشرَّعة على التهريب ... ولم يؤدِ إدخال المازوت بهذه الطريقة غير الشرعية الى حلّ للأزمة. ويأتي العرض الإيراني بإنشاء محطتي توليد كهرباء في منطقتين تسكنهما غالبية شيعية في جنوب بيروت وفي جنوب لبنان؛ ليزيد من تعقيد الصورة، لأن هذا الموضوع لم يبحثة وزير خارجية إيران أمير عبد اللهيان في زيارته الأخيرة، مع الحكومة اللبنانية كما صرح بذلك وزير الطاقة اللبناني وليد فياض، ولأن المواقع المقترحة لهاتين المحطتين، هي أملاك عامة تستخدم حدائق ومتنزهات وشواطئ سياحية.
 
وترى القوى المعارضة أن هذه المعطيات المترافقة مع تعنُّت من جهة الحكم في التعامل مع ملفات إصلاح الكهرباء، خصوصاً الامتناع عن إنشاء الهيئة الناظمة للقطاع، كذلك في إرباك عملية التفاوض على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل؛ كلها تصب في خانة تكبيل الحكومة، وإجهاض المساعي الدولية والعربية لمساعدة لبنان، لأن فعلة قوى محور الممانعة لا يمكن أن تتماشى مع القواعد التفاوضية المعتمدة لدى البنك الدولي ولدى صندوق النقد الدولي وعند الدول المانحة، وهذه الممارسات الاستعلائية والفوضوية المدروسة من قبل قوى الممانعة وحلفائها في دوائر الحكم، هي التي تؤدي الى الحصار المفروض على لبنان، وليس التدخلات الخارجية الأخرى.
 
صحيح أن الإجراءات الأميركية التي تستهدف "حزب الله" والنظام في سوريا أضرَّت بمصالح اللبنانيين، وساهمت في تعميم فوضى التهريب التي استهلكت الاحتياط النقدي لمصرف لبنان، ولكن الصحيح ايضاً أن التقديمات الأميركية وغيرها هي التي ساعدت الجيش في الوقوف على رجليه والصمود في أصعب أزمة مالية يتعرض لها. أما اتهامات "حزب الله" التي تطاول المؤسسات والدوائر التي تقبل المساعدات الأميركية، فهي تهديد موجّه للحكومة بالدرجة الأولى، وتثير السخرية في آنٍ واحد، لأن العمالة للأجنبي تنطبق على من يرتبط سياسياً وأمنياً بأوامر خارجية، وليس على الذي يتلقى المساعدات لمؤسسات الدولة من دون شروط لإنقاذ ما تبقى منها.
 
ومن نافل القول، إن الذين يستغلون لبنان لأغراضهم الفئوية ولمشاريعهم الخاصة، هم الذين يساهمون بحصار لبنان وبتقويض عمل الحكومة العتيدة. واللبنانيون سئموا من لغة الاتهام والتخوين، ولم يعُد بمقدورهم سماع التهديد والوعيد من الذين رهنوا لبنان لمصالح خارجية واضحة، وهؤلاء جزء من مشروع ألحقَ أضراراً لا تُحصى بلبنان وبالمنطقة العربية، وقدرة الصبر عند المواطنيين وصلت الى حد النفاد جراء الذلّ المعيشي الذي يقاسونه، وجرّاء التهديد الأمني والوجودي الذي يُصيب لبنان في الصميم والذي سيؤدي اذا ما استمرّ الى شرذمته والى إلغاء دوره التاريخي ومكانته بين أمم الأرض.
 
غالبية القوى والشخصيات التي ترفض الاتهامات التي يطلقها مقربون من "حزب الله" ضد أحزاب سياسية وضد بعض القضاة وضد الجيش، لا توافق الولايات المتحدة في سياستها في المنطقة، وهي تكيلُ لها الانتقادات باستمرار. واذا كان هناك من مؤامرة على لبنان او مُحاصرة له، فهما بسبب دور القوى التي تتجاوز الأصول المشروعة والقوانين، لا سيما في حمل السلاح المتفلّت، وفي عدائها لأصدقاء لبنان وأشقائه.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم