إعلان

طرد الميليشيات التشادية خطوة مهمة لتطهير ليبيا

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
ميليشيات تشادية في الجنوب الليبي
ميليشيات تشادية في الجنوب الليبي
A+ A-
يُعتبر الجنوب الليبي البؤرة المنسية التي تغافل عنها الجميع سهواً أو قصداً خلال السنوات التي تلت الإطاحة بنظام معمر القذافي، حتى كادت هذه الخاصرة الرخوة أن تصبح كياناً مستقلاً بذاته لا علاقة له ببقية الأقاليم الليبية. ولولا العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الليبي مستهدفاً مقاتلي المعارضة التشادية الذين "طاب لهم المقام" في تلك الربوع، ما كان هذا الجنوب المنسي ليحظى باهتمام عموم الليبيين وجيرانهم وسائر المتدخلين في الشأن الليبي.
 
لقد تغلغل التشاديون في الجنوب الليبي بصورة لافتة ولم يعد الأمر يقتصر على المهاجرين غير الشرعيين والمقيمين بصورة غير قانونية، بل أصبحت المنطقة تستقطب ميليشيات المعارضة التشادية التي وجدت في هذا الجزء من بلد عمر المختار الحاضنة التي تقيها بطش نظام نجامينا. ويتعلق الأمر تحديداً بـ"جبهة التغيير والوفاق في تشاد" المرابطة في مدينة الجفرة، و"مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية" المرابط في منطقة كوري بوغودي.
 
ولعل ما يثير الخشية من تدهور الأوضاع نحو الأسوأ في الجنوب أن لهذه الميليشيات التشادية مرتزقة غير منضبطين، وهناك تجار مخدرات ومافيات لتهريب البشر يسترزق من خلالهم هؤلاء. كما أن الفارين من الشمال من عناصر التنظيمات التكفيرية يرابطون بدورهم في تلك الربوع التي تشهد ترويعاً للأهالي وعمليات خطف وسرقة وتهريب للبشر والوقود، إضافة إلى تجارة المخدرات.
 
لذلك لم يكن هناك خيار للجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر سوى أن يقوم بعملية تطهير شاملة لتلك المنطقة من جميع هذه العناصر المارقة والتي لا تحترم سيادة الدولة الليبية وتهدد أمن واستقرار المواطنين الليبيين في تلك الربوع. ويحصل هذا في وقت تهتم فيه سلطة طرابلس ورئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة باختلاق عدو وهمي اسمه تونس وذلك بتحريض من الأتراك المنزعجين مما أصاب "حركة النهضة" وشيخها راشد الغنوشي، رغم أن التونسيين، وبشهادة القاصي والداني، كانوا الأكثر حرصاً من بين جيران ليبيا على وحدة التراب الليبي وسيادة الليبيين على أراضيهم.
 
ويبدو أن الجيش بقيادة حفتر بصدد تحقيق مكاسب مهمة على الميدان بعد أن ارتكزت عملياته بالأساس على القصف الجوي الذي ألحق خسائر فادحة بعناصر المعارضة التشادية ومرتزقتها. ويبدو أن هذه النجاحات ستشجع خليفة حفتر على المضي قدماً في مسعاه لتطهير الجنوب الليبي من هذه المعارضة التشادية التي باتت تنشط بنسق غير اعتيادي في الآونة الأخيرة بعد اغتيال بيدق فرنسا الرئيس السابق إدريس ديبي وتنصيب نجله خلفاً له.
 
ورغم تلميح البعض إلى أن هذه الحرب التي تشن على المعارضة التشادية إنما تأتي تنفيذاً لرغبة فرنسية، إلا أن الأمر على خلاف ذلك تماماً باعتبار أن الفرنسيين يحتفظون بعلاقات جيدة ومتينة سواء مع الحكم في تشاد أو مع معارضيه، وهم الذين يحددون من يلج القصر الرئاسي في نجامينا من هذا الطرف أو ذاك. كما أن الجيش الليبي بقيادة حفتر يقاتل على أراضيه ضد جماعات مسلحة تفرض قانونها وتروع الأهالي من سكان المناطق الجنوبية، وليس من حق هذه الميليشيات التواجد من الأساس على الأراضي الليبية شأنها شأن التنظيمات الإرهابية والقوات التركية في الغرب.
 
كما أن الدعم الشعبي الذي تحظى به هذه الحرب يسبغ عليها صبغة الشرعية رغم أنها لم تكن بأمر من المجلس الرئاسي الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية. فرغم أن هذا المجلس نال تزكية البرلمان إلا أن البعض داخله يفتقدون إلى الخبرة السياسية الكافية التي تجعلهم يقدرون أين تكمن المصلحة الليبية بخاصة في هذا الملف الذي كان يفترض أن يتم الحسم فيه بمجرد أن تسلم المجلس مهماته وهو المطالب بإفراغ ليبيا من كل القوات الأجنبية بما في ذلك الأتراك ومرتزقتهم.
 
ويرى البعض أنه كان على خليفة حفتر ألا يستنزف جيشه في قتال التشاديين، وأن يستجمع قواه لإجبار الأتراك على مغادرة ليبيا طوعاً أو كرهاً باعتبار أن المعارضة التشادية يمكن التفرغ لها لاحقاً بعد إزالة الخطر الأهم الذي يستنزف مقدرات الشعب الليبي وهو الأتراك. فالشعب الليبي هو الذي يدفع رواتب المرتزقة التابعين للأتراك، والقرار السيادي في طرابلس مصادر من قبل أنقرة وحاكمها الأوحد رجب طيب أردوغان، ويتم فرض تزويد السوق الليبية بالبضائع التركية التي لا تتمتع عادة بجودة عالية في ما يتعلق بالمواد الغذائية على وجه الخصوص.
 
وبالتالي فإن التخلص من الوجود التركي في ليبيا يبدو أولوية لدى هؤلاء حتى يتنفس الاقتصاد الليبي، ويتخلص من كابوس تركي جاثم على صدره منذ سنوات تدعّم أكثر مع حلول القوات التركية ومرتزقتها في المنطقة الغربية. لكن يبدو أن للجيش الليبي والقائمين عليه حساباتهم الخاصة، وأولوياتهم التي تقتضيها المرحلة، وهم الأدرى بالمصلحة الليبية باعتبارهم في الميدان وليسوا كمن يراقب الأحداث من مكان قصي.
 
وفي كل الأحوال فإن جنوب ليبيا من دون معارضة تشادية، ومرتزقة، وتنظيمات إرهابية، وتجار مخدرات، وهجرة سرية، ومافيات تهريب، وعصابات خطف وسلب ونهب، هو أفضل للعيش. وتطهيره يعتبر خطوة مهمة في سبيل بناء ليبيا جديدة صلبة وقوية، غير منتهكة السيادة، يصنع قرارها في طرابلس وليس في أي عاصمة إقليمية أو دولية أخرى.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم