إعلان

انتخابات الجزائر... المحافظة على السائد

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
من الانتخابات التشريعية في الجزائر
من الانتخابات التشريعية في الجزائر
A+ A-
يفسر البعض النتائج المسجلة في الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة، التي لم يتمكن فيها التيار "الإخواني" من حصد نتائج مهمة على غرار ما يحصل في الجارة تونس منذ عقد من الزمان، بالتجربة المريرة التي عاشها الجزائريون مع تيار الإسلام السياسي في العشرية السوداء لعقد التسعينات من القرن الماضي. فقد كادت المذابح والانتهاكات التي شهدها بلد المليون شهيد على أيدي هذه التنظيمات، التي رفعت السلاح بوجه الدولة، تنهي هذا البلد المغاربي المترامي والغني بالثروات الطبيعية.
 
هناك بعض آخر يفسر أيضاً هذه النتائج التي أبقت حزب "جبهة التحرير الوطني" في الصدارة بالعزوف على الانتخاب الذي حصل من قبل عموم المواطنين حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة الثلاثين في المئة من الجزائريين الذين يحق لهم الانتخاب. فقد قاطع أغلب مساندي الحراك هذه الانتخابات ولم يذهبوا إلى التصويت في حين أقبل أنصار الأحزاب التقليدية على الاقتراع وهو ما تسبب في عدم حصول التغيير الذي أراده الحراك من خلال صعود مستقلين ووجوه شابة غير مألوفة.
 
ولعل ما هو أكيد أن مراكز القوى في الجزائر حافظت على نفوذها وعلى مواقعها، وهي الرئيس والمؤسسة العسكرية والأحزاب الكبرى التي كانت تهيمن على الساحة السياسية قبل الإطاحة بنظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة. أما التغيير الوحيد الذي تحقق من الحراك الذي شهده بلد المليون شهيد، فهو تحديد الفترة الرئاسية بولايتين رئاسيتين فقط بعد أن كان في إمكان الرئيس أن يترشح إلى عدد غير محدد من المرّات.
 
ولعل السؤال الذي يطرح مع هذه النتائج الحاصلة، كيف سيكون موقف نشطاء الحراك من عودة حزب "جبهة التحرير الوطني" إلى الواجهة ومن خلال الصندوق؟ هل سيقبلون بقواعد اللعبة بعد أن تم الاحتكام إلى صاحب السلطة الأصلية، أي الشعب، وبعد أن أصبح من المستحيل الإدعاء أن البرلمان الجديد لا يمثل الإرادة الشعبية مثلما حصل مع البرلمان السابق؟ أم أنهم سيسعون من خلال الشارع والضغط الشعبي إلى الحصول على ما لم يستطعوا الحصول عليه من خلال صناديق الاقتراع؟
 
من المؤكد أن القائمين على الحراك سينصرفون إلى الإعداد الجيد للانتخابات الجهوية والمحلية وإيصال "المستقلين" إلى مراكز القرار بخاصة أن السلطات المحلية باتت تتمتع بصلاحيات مهمة يمكن من خلالها لدعاة التغيير أن يساهموا في صنع القرار. ولعل الأخطاء التي حصلت من قبل الحراك في الانتخابات التشريعية ومنها المقاطعة سيتم تلافيها في انتخابات المجالس الولائية والبلدية وذلك بعدما أثبتت تجربة التشريعيات أن المقاطعين ومن بينهم قيادات وأنصار الحراك هم الخاسر الأكبر.
 
ويخشى البعض من انصراف الحراك وأنصاره ومؤيديه ومريديه إلى التصعيد في الشارع والتشكيك في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة مثلما تم التشكيك سابقاً بالانتخابات الرئاسية وفي الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس عبدالمجيد تبون. لأن هذا التشكيك سيؤدي حتماً إلى حالة من عدم الاستقرار تبدو الجزائر والمنطقة المغاربية عموماً في غنى عنها في الوقت الحاضر مع حالة الفوضى التي يعيشها بعض بلدان المنطقة.
 
ولعل ما يبعث على الخشية من حصول هذا السيناريو السيئ هو حديث البعض عن وجود اختراقات داخل الحراك الجزائري من قبل أطراف خارجية لا تريد الخير لبلد المليون شهيد وشعبه وتهدف إلى خدمة مصالحها الخاصة على حساب مصالح الجزائريين ودولتهم. فلا يخفى أن موطن الأمير عبدالقادر، وعلى غرار البلدان غير الملكية في العالم العربي، مستهدف شأنه شأن تونس وليبيا ودول أخرى، بمشروع ما يسمى "الربيع العربي" الذي يؤكد البعض أنه الفوضى الخلاقة التي تحدث عنها المحافظون الجدد وراء المحيط في فترة ما.
 
وبالتالي فإن مسألة قبول الحراك بنتائج الانتخابات وبالمسار السياسي الجديد برمته تبدو حاجة ملحة وجب العمل على تحقيقها من قبل جميع الأطراف تجنباً لكارثة لا تحمد عقباها قد تطاول هذا البلد الغني المثير لأطماع القوى الكبرى. وتبدو المسؤولية ملقاة بالدرجة الأولى على الرئيس ومحيطه لتحقيق هذه الغاية وسحب البساط من تحت أقدام الصائدين في المياه العكرة والمتربصين بأمن البلد واستقراره من الأعداء الخارجيين وعملائهم في الداخل ممن تسللوا مستغلين الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها الجزائر وسائر المنطقة.
 
ويؤكد جل الخبراء والمحللين على أن انتقاد بعض الأحزاب للانتخابات الأخيرة على غرار حزب "العمال" وحزب "التجمع من أجل الثقافة"، هي محاولات عبثية لن تنال من صدقيتها ونزاهتها وذلك بالرغم من حصول بعض الخروق هنا وهناك. كما أن نسبة المشاركة كانت ضعيفة جداً ووجب من أصحاب القرار أخذها في الاعتبار لأن العزوف هو مؤشر على الرفض الشعبي الواسع لهذا المسار السياسي، وبالتالي، فالنتيجة المسجلة هي برأي البعض انعكاس لانعدام الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم