إعلان

الانحناء للعاصفة... أردوغان في ضيافة السيسي!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
أردوغان والسيسي
أردوغان والسيسي
A+ A-
للمرة منذ ثماني سنوات، زار وفد دبلوماسي تركي الأسبوع الماضي العاصمة المصرية، لإجراء مباحثات وصفتها القاهرة بـ "الاستكشافية". طقوس الغزل التركية المفاجئة تجاه مصر أخيراً، تثبت أن لا عداءَ ولا سلامَ دائماً، في ساحة العلاقات الدولية، المصالح فقط هي البوصلة، لذلك تجتهد تركيا لإعادة ترتيب أولوياتها، والقفز فوق الحرائق الكثيرة التي أشعلتها في الإقليم، بعد انقلاب علاقاتها بدول الجوار وأوروبا من "صفر مشكلات" إلى "صفر علاقات"، ووصول بايدن الذي يعتبر أردوغان "طاغية" إلى البيت الأبيض. تعيد أنقرة تموضعها في المنطقة، وسط ذعر "إخواني"، مثيرة الشكوك حول مآلات دوافعها: مراوغة، أم تكتيك مرحلي، أم قناعة استراتيجية؟ وكيف ينعكس ذلك على قضايا الإقليم؟ ورد فعل القوى التي تنزعج من تقارب البلدين؟
 
"قلنسوة السلطان"
خلال العقد الماضي، توترت علاقات تركيا مع كثير من القوى الإقليمية والدولية، على نحو غير مسبوق، بما وضع قيوداً ثقيلة على حيوية التحرك التركي إلى حد العزلة، وهدد مصالحها بأخطار بالغة، ومن ثمّ تعد مساعي أنقرة للتقارب مع مصر - ودول خليجية - مؤشراً لتبدلات في معادلات الشرق الأوسط، أجبرت نظام أردوغان على إعادة ترتيب أوراقه والانحناء للعاصفة، وأن نتيجة المواجهة تكشف عن تسجيل السيسي هدفاً في مرمى أردوغان، ولو موقتاً.
 
حطمت مصر قلب "السلطان العثماني" - ولطالما فعلت - وتركته يعض أنامله، وهو يرى آماله تتهاوى كقصور الرمال على الشاطئ... ظل أردوغان يمني نفسه بزعامة العالم الإسلامي، واستعادة النفوذ العثماني القديم على بلاد العرب، بعدما أغلقت أوروبا أبوابها فى وجهه، شجعه النجاح الاقتصادي الكبير الذي حققه حزب "العدالة والتنمية"، منذ تولى الحكم في أنقرة عام 2002، لكن هذا لم يكن كافياً، لحمل طموحات الزعامة الأردوغانية إلى أرض الواقع. فجأة تغيرت الأحوال، جاء "الربيع العربي" في 2011، صعدت جماعة "الإخوان" في مصر وتونس وليبيا واليمن، بدا المستحيل ممكناً، لبس الرجل "قلنسوة السلطان"، بنى "القصر الأبيض"، شرب "كأس النشوة"، أطلق أحلام الهيمنة على المنطقة، تحت ستار شراكة استراتيجية، مع مصر (تابعة)، تكون فيها تركيا الآمر الناهي، لكن الشعب المصري كان له رأي آخر، أزاح حكم جماعة "الإخوان" الإرهابية، بعد 30 حزيران (يونيو) 2013، فطاشت آمال أردوغان هباء منثوراً؛ صبّ النار على زيت الخلافات وأجج العداوات في شكل هستيري، خصوصاً أن البلدين اتخذا مواقف متعارضة في القضايا الشائكة: العراق وسوريا وليبيا - كادت الأزمة الليبية تصبح، مؤخراً، ساحة مواجهة عسكرية بين الجيشين المصري والتركي - وغزة و"الأزمة الخليجية" وثروات شرق المتوسط وتدشين "قواعد عسكرية تركية" في دول عربية، ما شكل تهديداً للأمن القومي المصري، وتجذر الخلاف عميقاً بين الدولتين تجاه جماعات العنف والإرهاب، وعلى رأسها "داعش" الذي ينطق من "حنجرة أنقرة"، وظل الموقف من "الإخوان المسلمين" أبرز علامات الشقاق بين الطرفين.
 
كسر العزلة
وقفت تركيا – أردوغان بقسوة وعنجهية ضد إرادة المصريين، بعد 30 حزيران (يونيو) 2013، استضافت أقطاب جماعة "الإخوان" الهاربين، جعلت أراضيها منصة لمخططاتهم وفضائياتهم، كسرت كل الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية، وهي تحرّض على حكم السيسي، ولما ضاقت القاهرة ذرعاً بتلك الممارسات طردت السفير التركي، وجمدت اتفاقات اقتصادية، كاتفاق "الرورو" في آذار (مارس) 2015. ولأن التبادل التجاري يبلغ 5 مليارات دولار، منها نصف مليار صادرات مصرية، صار ثمن العداء نزيفاً تركياً... لم تكتف القاهرة بذلك، بل عمقت جراح أنقرة، من دون ضجيج، نسجت تحالفاً اقتصادياً أمنياً، على أساس استراتيجي، من تحت أنف تركيا، ضم اليونان وقبرص، وجرى ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، واستغلال الثروات الطبيعية، خصوصاً حقول الغاز، ودشّنت "منتدى غاز شرق المتوسط" مستبعدة تركيا... انزعج الأتراك وتألموا، لفرط شعورهم بالعزلة.
 
ولكسر أطواق العزلة وإزاحة المخاطر المتراكمة، بدأت تركيا تتلمس طريقها للتقارب مع مصر؛ للاستفادة من مكانتها وعلاقاتها القوية بدول شرق المتوسط والخليج - لا سيما السعودية والإمارات - والدخول في "منتدى الغاز، لتكون قادرة على إعادة ترسيم حدودها البحرية. وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع خلوصي أكار، ضرورة إعادة الدماء إلى شرايين العلاقات مع مصر، بينما أعلن أردوغان أنه مستعد للقاء نظيره المصري؛ لبحث سبل إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، مؤكداً محورية دور القاهرة ومكانتها في الشرق الأوسط والعالم، وأضاف: نسعى لاستعادة الوحدة ذات الجذور التاريخية مع مصر.
 
خطوات أردوغان صوب القاهرة وعواصم خليجية، تسبق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة السنة المقبلة، إذ اهتزت شعبية الرئيس التركي والحزب الحاكم، في ظل انتقادات شديدة من المعارضة لسياساته الداخلية والخارجية، ومن بينها حالة العداء لمصر واحتضان تيارات الإسلام السياسي المناوئة لها.
 
لم تقابل القاهرة رسائل الود التركية بالحماس نفسه... صحيح أنها ترغب في إنهاء الخلافات وفتح آفاق التعاون، إلا أن الأمر ليس سهلاً كما يبدو، تأمل القاهرة في تحييد الدور التركي (التخريبي المشاكس)، ولجم تدخلات أنقرة في العراق وسوريا وليبيا والخليج والقرن الأفريقي؛ من خلال تفاهمات تضمن مصالح كل الأطراف، كذلك وقف الدعم التركي المتعدد الأشكال لجماعات الإسلام السياسي في الداخل المصري، ما يؤثر في استقرار البلاد والمنطقة برمتها، في حين تواجه القاهرة تحديات مصيرية على كل الجبهات، يتمثل أخطرها في أزمة سد النهضة الإثيوبي الذي يضرب الأمن المائي لمصر والسودان وينذر بأخطار كارثية، لو تم ملء السد من دون اتفاق بين الدول الثلاث، وإذا علمنا أن أنقرة وأديس أبابا وقعتا اتفاق دفاع مشترك، فإنه يمكن فهم الرهان المصري على تبريد الجبهات؛ للتفرغ لأخطر أزماتها (السد الإثيوبي).
 
نزوة أم توجه
أردوغان "براغماتي" بطبعه، ومن السهل عليه، الانتقال من فسطاط إلى آخر، بحجج واهية، لذلك تتأنى القاهرة وتحسب لكل خطوة حسابها، وقد اشترطت على تركيا تقديم تنازلات فعلية؛ إذا كانت راغبة حقاً في توثيق العلاقات الثنائية. وأكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن بلاده لا تنظر إلى التصريحات، وإنما إلى الأفعال. تحاذر القاهرة أن يكون التقرب التركي مجرد تكتيك مرحلي أو مناورة خادعة، لذلك لا تصدق معسول الكلام التركي؛ إنما تقيّمه بمصفوفة أفعال؛ لسبر صدقية أنقرة، نزوة أم تراجع عن سياسات العربدة في قضايا الإقليم.
 
ليس من السهل إعادة بناء الثقة بين الدولتين؛ عقبات كثيرة تعرقل التقارب. صحيح أن الأمر يبدو محكوماً بصدق النوايا التركية وخطوات التفاهم تجاه القضايا الخلافية، بيد أن مصر لا تريد أن تربح تركيا وتخسر حلفاءها الآخرين في المنطقة، بخاصة أولئك الذين يناصبون أنقرة العداء، مثل السعودية والإمارات واليونان وفرنسا وقبرص، وتنأى مصر بنفسها عن سلوك مسار تقاربي منفرد مع تركيا، وتشترط عليها الكف عن التدخلات السلبية في الشؤون العربية، مع مراعاة مصالح تلك الدول التي تحافظ القاهرة على "تحالفها الاستراتيجي" معها، بما يكفل نوعاً من توازن القوى شرق المتوسط ويحجم التمدد التركي التوسعي.
 
من المؤكد أن تطبيع العلاقات المصرية - التركية ستكون له ارتدادات في أنحاء الشرق الأوسط؛ فالدولتان قوتان مركزيتان في المنطقة، تحوزان قدرات استراتيجية وإرثاً حضارياً، وتسعيان للتأثير على مجريات الأحداث في بؤر التوتر، وتقفان على طرفي النقيض في نزاع الطاقة والموقف من "الجماعات المتأسلمة"؛ لكن المتغيرات العميقة فرضت تراجع الموقف التركي الداعم لسياسة الفوضى في الإقليم، مقابل تقدم الدور المصري، نسبياً، ولو حاولت أنقرة فرض إرادتها وتدخلت في مسارح الأمن القومي المصري، ثانية، فستبوء مساعيها للتقارب مع القاهرة بالفشل.
 
يبقى أن الخلافات يمكن تجاوزها، لكن "صلف السلطان" لا ترياق له سوى لغة الأقوياء ومواقفهم.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم