إعلان

لبنان... فنزويلا الشرق!

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
احتجاجات وقطع طرق في لبنان
احتجاجات وقطع طرق في لبنان
A+ A-
خلال الأسبوع المنصرم، طلبْت من إحدى صديقاتي في دولة الإمارات والمسافرة إلى لبنان في زيارة قصيرة أن تجلب معها علبتا حليب كأمانة لأحد معارفي هناك، فوافقت من دون تردد وقد اغرورقت عيناها بالدموع الممزوجة بغُصة لكثرة ما طُلب منها الأمر نفسه، بل إن البعض وصلت به المعاناة الى طلب الرُز.
 
هي غصة روح لما وصل إليه لبنان المعروف بسويسرا الشرق ومنارة العلم ومستشفى العرب. وتحوُّل هذا البلد الى بلد كالصومال أو فنزويلا تحت حكم شعبوية نيكولاس مادورو، ليس نتيجة الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة والمجرمة وسلاح "حزب الله" الذي يحميها فحسب، بل أيضاً قبول الشعب اللبناني بهذا النظام السياسي والاقتصادي الذي تنعّم برشوته لعقود طويلة عبر دعمه لسعر صرف الدولار الذي موّل، ولسخرية القدر، من جيوب اللبنانيين ومدخراتهم.
 
الانهيار الكامل للمنظومة الاقتصادية والفوضى التي تشهدها شوارع لبنان ليسا بالمفاجئين، لا سيما بعد اتخاذ أمراء الطوائف وعصابة المصارف خطوات مالية انتحارية، لعل أبرزها القرار الشعبوي قبل سنوات بإقرار سلسلة الرتب والرواتب لرشوة القطاع العام المتخوم أصلاً بالتوظيفات السياسية والهندسات المالية التي لا يصح وصفها إلا بعملية سطو مسلح مع متغير وحيد أن المجرم استبدل المسدس بربطة عنق فاخرة.
 
الجوع كافر وهو مذلّة لكل إنسان بغض النظر عن عرقه أو عقيدتَيه السياسية والدينية، لكنّ الكفر والزندقة الأكبرين يكمنان في كِبر وتكبّر البعض عن الجوع والعوز على اعتبار أنهما لن يدخلا دارهم، وأن هؤلاء قادرون على الصمود بوجه شبح الجوع عبر استخدام السلاح أو حتى ابتداع صيغ اقتصادية وإغاثية سخيفة ترقى إلى مصاف الشعوذة والسحر. والمفارقة أن هؤلاء أنفسهم لا يتعظون بقول الإمام علي بن أبي طالب - رابع الخلفاء الراشدين وأحد أهم حكماء العرب والمسلمين- "لو كان الفقر رجلاً لقتلته" في إشارة واضحة إلى أن لا مذلة تضاهي مذلة الجوع. لكن نحن كلبنانيين قد لا يشفي غليلنا قتل الفقر الذي حلّ بنا، لذا علينا قطع رأس النظام والزعماء الذين أسقطونا في الحضيض وما زالوا مصرّين على إبقائنا هناك الى أن ينالوا مبتغاهم الحاقد.
 
قتل النظام بصفته المعنوية طبعاً يبدأ بدفن الوهم الحقيقي في أن التغيير والإصلاح يأتيان عبر إجراء انتخابات نيابية مبكرة تفتح باب البرلمان أمام جيل جديد من الثوار والناشطين للبدء بتأسيس مرحلة جديدة من النضال السياسي نحو إعادة النهوض بلبنان. هذا الوهم قد يكون مساراً طبيعياً في بلد ديموقراطي سليم، لكن عملية النهوض بلبنان "الصومالي" نحو سويسرا الشرق مجدداً لن تكون بهذه السهولة لأن سلاح الفساد وسلاح "حزب الله" لن يتنازلا عن قبضتهما الحديدية على النظام لحفنة من النواب الجدد تحت قبة برلمان يحكمه ديناصورات القرن العشرين.
 
الاقتراع والانتخابات ليسا وسيلة للتغيير في بلد يحكمه السلاح والنزعة الانتحارية للمغامرات الإقليمية، والانتخابات ليست الحل في وطن تحكمه زمرة من الأشرار التي ترى في الدستور اللبناني وبنوده الواضحة وجهة نظر يمكن تعليقها ومخالفتها متى تعتقد الجماعة أن مصلحة "أميرها" تقتضي ذلك.
 
واقع يضع اللبنانيين أمام خيارات ثلاثة: إما الهروب الى الخارج على متن أول طائرة أو عبّارة من عبّارات الموت المنتظرة، وإما البقاء في لبنان - أو ما تبقى منه - والبحث عن الوقود والحليب والزيت المدعوم وبالتالي الموت بالقطارة، وإما الاتجاه نحو المواجهة الحقيقية ضد ناهبي لقمة عيشهم والساخرين من معاناتهم بعيداً من قطع الطرق، شريطة التوصل إلى قناعة مطلقة أن لا انتخابات ولا ديموقراطية في ظل سطوة السلاح، ولا خبز ولا حليب ولا دواء في ظل تغلغل إرهاب الفساد وأخواته.
 
"الشيء الوحيد الذي يحتاجه الشر لكي ينتصر، هو أن يقف الأخيار مكتوفي الأيدي يتفرجون"... مقولة للفيلسوف البريطاني الإيرلندي إدموند بيرك يجب أن تبقى حاضرة وبقوة في كل مرة يفشل فيها أيّ لبناني في الحصول على الخبز أو الدواء، وليتذكر دائماً أن الأوطان لا تبنى بالكلام بل بشجاعة تقدّس العقل والمنطق وترفعهما فوق كل اعتبار.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم